من أطفأ وهج الرواية السعودية؟

مقال رأي

ياسمين المحمد

2026-07-26T09:46:00.119Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يشير المقال إلى تراجع حضور الرواية السعودية مقارنة بزخمها في العقود الماضية، رغم ازدهار المشهد الثقافي والفني في المملكة ووجود كتّاب موهوبين وقرّاء ومشهد نشر نشط. ويرجّح الكاتب أن أسباب التراجع تعود لتغيّر البيئة الثقافية وهيمنة المحتوى الرقمي والصورة على اهتمامات الأجيال الجديدة، وتراجع دور الأندية…

 في المشهد الثقافي السعودي هناك مفارقة تستحق التأمل، ففيما تعيش المملكة إحدى أكثر مراحلها حيوية على مستوى الفنون والسينما ومعظم مجالات الثقافة، يلاحظ كثير من المتابعين أن الرواية السعودية لم تعد حاضرة بالزخم نفسه الذي عرفته خلال العقود الماضية. فالأسماء التي كانت تثير الجدل، وتتصدر المشهد الثقافي على الصعيدين المحلي والإقليمي تراجع نشاط كثير منها، فيما لم يظهر منتج روائي جديد بذات المستوى الذي شهدته مرحلة سابقة كانت فيها الرواية السعودية من أكثر الظواهر الأدبية العربية إثارة للاهتمام.

هنا تقفز للأذهان أسئلة بديهية عن الأسباب التي تقف وراء هذا التراجع وهل هي مرتبطة بتبدّل أذواق الناس وعزوفهم عن القراءة؟ وما إذا كانت تتعلق بضعف الإبداع والخيال السردي؟ أم أن ذلك يعود إلى تغيّر أسلوب الحياة وتسارع رتمها وغلبة الوسائط الاجتماعية؟

وبطبيعة الحال، فإن من السهل إلقاء اللوم على المبدعين، والقول إن هناك نقصاً في المواهب أو تراجعا في مستوى الكتابة، لكن هذا التفسير يبدو غير مكتمل، فالساحة لا تزال عامرة بأسماء روائية بارزة، كما أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور كتّاب جدد كان لهم حضور لافت في معارض الكتب ومنصات القراءة.

لذلك فإن المشكلة ليست في غياب الموهبة بقدر ما تكمن في تغير الظروف والبيئة. ففي مرحلة سابقة كانت الرواية وسيلة لمناقشة قضايا اجتماعية شائكة، وكانت تمثل نافذة للتعبير عن تحولات المجتمع وأسئلته الكبرى. أما اليوم، فقد تغيرت ذلك الوضع وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية تلعب جزءاً كبيراً من الدور الذي كانت الرواية تؤديه.

كذلك يحتاج الحديث عن عزوف الناس عن القراءة إلى إعادة تقدير، فمعارض الكتب في مختلف مدن السعودية تشهد إقبالاً كبيراً، كما أن سوق النشر لا يزال نشطاً، وهناك تزايد في عدد دور النشر والمبادرات الثقافية.

وفي ذات السياق فن القول باختفاء القارئ يحتاج لإعادة نظر، وربما يكون هناك تغير في الاهتمامات لأن الإنسان أصبح محاصراً بفيض هائل من المحتوى المرئي والمسموع عبر الوسائل الرقمية. كما أن الأجيال الجديدة تهتم بالصورة أكثر من الكلمة. وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات الإلكترونية والأفلام والمسلسلات ومقاطع الفيديو القصيرة، فإن الرواية تحتاج أن تكون أكثر جاذبية وإثارة حتى تستعيد بريقها.

وأيا كان السبب فإن هذا التراجع ينبغي تداركه لأن الرواية ليست مجرد كتاب يُقرأ إنما هي المادة الخام الأولى للدراما والسينما وصناعة المحتوى. ففي معظم التجارب العالمية الكبرى كانت القصص الناجحة أساساً لصناعة الأفلام والمسلسلات، فهي التي تمنح السينما ما تحتاجه من شخصيات وصراعات وعوالم وحكايات جاهزة للتطوير البصري.

وفي السعودية تحديداً، حيث يشهد القطاع السينمائي نمواً ملحوظاً، تبدو الحاجة إلى الرواية أكبر من أي وقت مضى. فهذه الصناعة لا يمكن أن تعتمد باستمرار على الأفكار المستوردة أو النصوص السريعة أو التقليد، لكنها تحتاج باستمرار إلى مخزون سردي عميق ومتجدد، يناقش همومنا ويطرح قضايانا حتى يكون المنتج النهائي مرآة تعكس واقعنا.

أما الأندية الأدبية التي لعبت خلال عقود طويلة دوراً محورياً في إثراء حركة النشر فإنها تشهد تراجعاً واضحاً في القيام بهذا الدور. ومع أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة وجود تقصير متعمد إلا أنه يكشف عن خلل يحتاج إلى استدراك، وبدلا من الاكتفاء بإقامة الأمسيات والندوات ذات العناوين المتكررة ينبغي إطلاق ورش متخصصة في فن الرواية، وبرامج احتضان للمواهب، ومسابقات وجوائز، وتعزيز التعاون مع شركات الإنتاج السينمائي لتحويل الأعمال المتميزة إلى مشاريع درامية.

وللخروج من حالة الركود التي نعاني منها حاليا وإعادة الزخم إلى الرواية فإننا نحتاج إلى بيئة تشجع الكاتب على الإبداع، ونقد أدبي جاد يواكب الأعمال الحديثة، ومؤسسات تتبنى المواهب الشابة قبل أن تبتلعها منصات الاستهلاك السريع. إضافة لذلك يجب بناء جسور أقوى مع صناعة السينما والدراما، لأن المستقبل الثقافي يعتمد على التكامل بين النص، والصورة، والشاشة.