حكايات من الطريق (2)
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
الكاتبة تحكي عن خروجها المستعجل من العمل واضطرارها لركوب سيارة متهالكة يقودها رجل سبعيني فقير المظهر، لتكتشف خلال الرحلة هدوءَه وكرامتَه وتمسّكه بالعمل رغم سنّه وظروفه الصعبة. تقودها التجربة إلى مراجعة أحكامنا السريعة على الناس من مظاهرهم، وإلى إدراك أن القيمة الحقيقية في القدرة على الاستمرار ومواجه…
قبل بضعة أيام، خرجت من عملي على عجل، وقد ازدحمت في ذهني قائمة طويلة من الالتزامات والمواعيد التي كان عليّ أن ألحق بها قبل أن تنقضي ساعاتها
لم يكن لدي متسع من الوقت لأنتظر سيارة أجرة، ولا حتى لأن أقف طويلًا على قارعة الطريق بحثًا عن وسيلة تقلني إلى وجهتي. خرجت مسرعة، أخطو بخطوات متعجلة وبينما أنا كذلك، لمحت من بعيد سيارة تقترب نحوي.
في البداية ظننتها سيارة عادية، لكن كلما اقتربت، أخذت ملامحها تتضح أمامي، كانت عبارة عن سيارة متهالكة للغاية لم تكن سيارة بالمعنى الذي نعرفه، وإنما شيء أقرب إلى ما يسمونها "خردة".
كانت أبوابها متهالكة جدا، وزجاجها مكسورًا، ومقاعدها في حال مزرية، وهيكلها يحمل من آثار الزمن والإهمال ما يكفي ليحكي قصة طويلة عن سنوات مضت. توقفت أمامي مباشرة، وكأنها جاءت في اللحظة التي احتجت إليها فيها، رغم كل ما كان فيها من بؤس.
ولشدة استعجالي وحاجتي الماسة لأي وسيلة تقلني على وجه السرعة إلى وجهتي اضطررت إلى أن ألقي نظرة على سائق تلك السيارة، فإذا بي أرى رجلا سبعينيا يجلس خلف مقود السيارة. كان نحيل الجسد وقد بدت عليه علامة الشيخوخة بشكل كبير. كان رث الثياب يسبح بعرقه، فلا تكييف في تلك السيارة المتهالكة.
قال لي مبادرا: "هل تريدين مشوار يا بنتي؟ لن نختلف في الأجر أي شيء ادفعيه لي".
رأفت بحاله فوافقت على أن يقلني إلى وجهتي. وعندما أردت صعود السيارة لم أجد مقابض الأبواب لفتحها، ففتح لي ذاك العجوز الباب من داخل سيارته.
جلست في المقعد الخلفي وأغلقت الباب بصعوبة وانطلقت بنا السيارة العتيقة ببطء نحو وجهتي. كانت تهتز مع كل مطب، ويصدر منها من الأصوات ما يكفي ليملأ الطريق، لكنني في تلك اللحظة لم أكن أبحث عن سيارة جميلة، ولا عن مقعد مريح، ولا عن مكيف يواجه حرارة النهار.
ومع كل دقيقة تمضي، بدأت ألاحظ الرجل الذي يقلني أكثر مما ألاحظ السيارة.
كان يقود بهدوء غريب. لم يكن في ملامحه تذمر، ولا في صوته ما يشير إلى سخط على حاله. كان يتعامل مع مركبته القديمة وكأنها رفيق عمر، لا مجرد وسيلة نقل. وربما كانت كذلك بالفعل.
لا أعرف كم عامًا قضاها خلف ذلك المقود، ولا كم مرة اضطر إلى إصلاح هذه السيارة، ولا كم بابًا طرقه بحثًا عن رزقه، ولا كم يومًا خرج فيه إلى عمله وهو متعب، ثم عاد أكثر تعبًا..
كثيرًا ما نحكم على الأشياء من ظاهرها، ونفعل الأمر نفسه مع البشر. نرى ثوبًا رثًا فنستنتج فقرًا، ونرى سيارة قديمة فنستنتج عجزًا، ونرى رجلًا أنهكته السنون فنراه منتهيًا، وكأن قيمة الإنسان يمكن أن تُقاس بما يملك، أو بما يرتدي، أو بما يستطيع أن يعرضه أمام أعين الآخرين.
لكن ذلك الرجل، في تلك اللحظة، كان يؤدي عمله ببساطة وكرامة.
لم يكن يملك سيارة فاخرة، لكنه كان يملك شيئًا أثمن منها: القدرة على أن يواصل.
كان يستطيع، ربما، أن يستسلم لسنّه، أو لفقره، أو لظروفه، وأن يجلس في بيته منتظرًا ما تجود به الأيام. لكنه اختار أن يخرج، وأن يعمل، وأن يقود تلك السيارة المتعبة في الشوارع، وأن يكسب رزقه بيديه.
ولم تكن السيارة وحدها التي بدت لي في ذلك اليوم قديمة.
لقد أدركت أن الإنسان نفسه قد يحمل على جسده آثار أعوام طويلة من العمل، وأن بعض الوجوه لا تشيخ بقدر ما تسجل عليها الحياة ما مرّ بها من تعب.
كنت في عجلة من أمري، أراقب عقارب الساعة، وأحسب الدقائق التي أخشى أن تضيع مني، بينما كان الرجل يقود مركبته في هدوء من اعتاد أن يواجه الحياة يومًا بيوم.
وفجأة بدا لي أنني أنا المستعجلة، لكنه هو الذي كان يعرف معنى الوقت.
فالوقت ليس دائمًا تلك الساعات التي نخشى أن تفوتنا، ولا المواعيد التي نلهث خلفها، ولا الأعمال التي تتراكم علينا. الوقت أيضًا هو العمر الذي يمضي في صمت، والسنوات التي تتسرب من بين أيدينا دون أن نشعر، حتى إذا التفتنا خلفنا وجدنا أن جزءًا كبيرًا من حياتنا أصبح ذكرى.
ذلك الرجل كان يحمل على وجهه ما لم أكن أراه في ساعتي.
كان يحمل عمرًا كاملًا..
لعل أجمل ما في الحياة أنها كثيرًا ما تعلّمنا دروسها في صور لا ننتبه إليها.
نحن ننتظر الأشياء الجميلة أحيانًا في هيئة جميلة، ولذلك قد نفوّت معناها حين تصل إلينا في هيئة متواضعة.
ذلك اليوم، كنت أبحث عن سيارة تقلني إلى وجهتي.
فوجدت، دون أن أدري، درسًا صغيرًا في معنى الإنسان.
ربما مرّ ذلك الرجل في يومي لبضع دقائق فقط.
لكن بعض اللقاءات لا تُقاس بطولها، وإنما بالأثر الذي تتركه.
أن كثيرًا من الوجوه التي نعبر بجانبها كل يوم تحمل من القصص ما يكفي لكتابة كتب كاملة
بعضهم يأتي ليقول لنا شيئًا، حتى لو لم يتكلم كثيرًا.
وبعض المواقف الصغيرة تترك في النفس أثرًا أكبر من أحداث نظن أنها ستغير حياتنا.
ذلك الرجل لم يكن يملك سيارة جميلة.
لكنه كان يملك شيئًا جعلني أشعر بالخجل من بعض شكاوانا الصغيرة، كان يملك القدرة على الاستمرار.
وصلنا إلى وجهتي، وتوقفت السيارة. نزلت منها ووقفت لحظة أمام الباب.
لم تكن الرحلة طويلة، لكن شيئًا في داخلي كان قد قطع مسافة أبعد بكثير من تلك التي قطعتها السيارة.
راقبتها وهي تبتعد. كانت تصدر أصواتًا متعبة، وتهتز قليلًا وهي تمضي، وكان من السهل أن يقال عنها إنها سيارة انتهى عمرها الافتراضي منذ سنوات.
لكنني وأنا أراها تبتعد، لم أعد أراها "خردة".
رأيتها مثل صاحبها تمامًا، رجل أرهقته الحياة، لكنه لم يستسلم لها.