إعادة تأهيل الباحثين عن العمل .. بوابة لسد الفجوة الوظيفية

مقال رأي

حمد بن إبراهيم المنيف

2026-10-08T06:30:00.095Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

المقال يؤكد أن سوق العمل لم يعد يكتفي بالشهادات الجامعية، بل يركز على المهارة الفعلية، ما يستدعي إطلاق مبادرات منظمة لإعادة التأهيل المهني تنقل الخريجين من التخصصات ذات الطلب المنخفض إلى مجالات يحتاجها السوق فعلياً. ويطرح نموذجاً تشاركياً بين الجهات المشرعة والجهات الموظفة لبناء برامج تدريب مرتبطة م…

لم يعد سوق العمل ينتظر خريجاً يحمل شهادة فقط، بل يبحث عن إنسان يمتلك المهارة التي يحتاجها، ويستطيع أن يضيف قيمة من اليوم الأول. وبينما تتغير طبيعة الوظائف بوتيرة متسارعة، لا يزال كثيراً من الباحثين عن العمل أسرى لتخصصاتهم الجامعية؛ تخصصات اختاروها في وقت كانت فيه احتياجات سوق العمل مختلفة، ثم وجدوا أنفسهم بعد التخرج أمام واقع جديد لا يوفر لهم الفرص التي كانوا يتوقعونها.

وهنا يجب أن نكون أكثر جرأة في طرح السؤال: هل من المنطقي أن نحكم على مستقبل خريج كامل بناءً على تخصص درسه قبل سنوات، بينما تغيرت احتياجات سوق العمل خلال تلك السنوات؟ الإجابة ينبغي أن تكون: لا. والحل ليس في مطالبة الخريج بالانتظار، ولا في تكرار برامج تدريب عامة لا تنتهي إلى وظيفة، وإنما في بناء مبادرة لإعادة التأهيل المهني، تنقل الباحثين عن العمل من تخصصات تراجع الطلب عليها إلى تخصصات ومهارات يحتاجها سوق العمل فعلياً.

لكن الفارق الجوهري هنا أن تكون إعادة التأهيل بشراكة مباشرة بين الجهات المشرعة والجهات الطالبة للوظائف من القطاعين العام والخاص. فبدل أن نبدأ من سؤال: ماذا نستطيع أن ندرب؟، يجب أن نبدأ من سؤال مختلف تماماً: ماذا يحتاج صاحب العمل؟ حيث تحدد المنشآت الوظائف التي يصعب عليها شغلها، والمهارات التي تبحث عنها، والأعداد التي تحتاج إليها، ثم تُبنى برامج التأهيل وفق هذه الاحتياجات. ويشارك أصحاب العمل في تصميم المحتوى التدريبي، وتقييم المتدربين، وتوفير التدريب العملي، وصولاً إلى التوظيف للمجتازين.

وهنا تبرز فرصة مهمة في عدد من التخصصات الحديثة التي يشهد سوق العمل طلباً متزايداً عليها، في الوقت الذي لا تزال فيه هناك فجوة في الكفاءات المؤهلة لشغلها. ومن أمثلة ذلك مجالات المراجعة الداخلية، والحوكمة، وإدارة المخاطر والالتزام (GRC)، إضافة إلى عدد من التخصصات الفنية المتخصصة التي ترتبط بطبيعة عمل بعض الجهات واحتياجاتها المتغيرة. وهذه المجالات يمكن أن تمثل مسارات واعدة لإعادة تأهيل الخريجين، من خلال برامج متخصصة لا تكتفي بتقديم المعرفة النظرية، بل تمنح المتدرب المهارات التطبيقية والمعارف المهنية التي يتطلبها العمل الفعلي، بما يمكنه من الانتقال من تخصصه الجامعي إلى مسار مهني جديد يحتاجه سوق العمل.

والأهم أن تحديد هذه المسارات لا ينبغي أن يتم من خلال تقديرات عامة، وإنما بناءً على احتياجات فعلية ومحددة لدى الجهات الموظفة، بحيث تحدد الوظائف التي تواجه صعوبة في استقطاب الكفاءات لشغلها، والمهارات المطلوبة لها، وحجم الاحتياج المتوقع، ثم تُبنى برامج التأهيل وفقاً لذلك. وبهذه الطريقة تصبح إعادة التأهيل وسيلة عملية لسد الفجوة الوظيفية، وتحويل جزء من الطاقات البشرية الموجودة إلى كفاءات قادرة على تلبية احتياجات القطاعات التي تشهد نمواً وطلباً متزايداً.

عندها فقط يصبح التدريب استثماراً في وظيفة، وليس مجرد شهادة جديدة تضاف إلى ملف الباحث عن العمل. والأهم أن هذه الرؤية لا تعني إلغاء قيمة التخصص الجامعي أو مطالبة الخريج بالبدء من الصفر. فكل تخصص يترك لدى صاحبه مجموعة من المهارات القابلة للنقل والتطوير. المطلوب هو اكتشاف هذه المهارات، ثم إعادة توجيهها نحو مسارات مهنية أكثر ارتباطاً باحتياجات الاقتصاد.

ولعل الخطأ الأكبر هو أن ننظر إلى خريج التخصص غير المطلوب باعتباره مشكلة، بينما يمكن أن يكون جزءاً من الحل، حيث لدينا طاقات بشرية درست، وتعلمت، واكتسبت مهارات، لكنها تحتاج إلى إعادة توجيه لا إقصاء. ولدينا في المقابل منشآت تبحث عن كفاءات ومهارات قد لا تجدها بالسرعة المطلوبة. وبين الطرفين فجوة يمكن ردمها إذا انتقلنا من نموذج التدريب التقليدي إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالطلب الحقيقي لسوق العمل، وذلك لسد الفجوة الوظيفية.

إن نجاح أي برنامج من هذا النوع لا ينبغي أن يقاس بعدد المقاعد التدريبية، ولا بعدد الشهادات الممنوحة، بل بسؤال بسيط وحاسم: كم شخصاً انتقل من البرنامج إلى وظيفة؟ وكم منهم استمر فيها بعد انتهاء الدعم إن كان هناك دعم؟ وهل حصل صاحب العمل على الكفاءة التي كان يبحث عنها؟

هذه هي المؤشرات التي يجب أن تحكم نجاح المبادرة، حيث إن إعادة تأهيل الباحثين عن العمل ليست ترفاً، ولا حلاً مؤقتاً لمشكلة البطالة، بل هي استثمار في رأس المال البشري الوطني، وفي قدرة الاقتصاد على الاستفادة من الكفاءات الوطنية الموجودة بدلاً من خسارتها بسبب عدم توافق تخصصاتها القديمة مع وظائف المستقبل.

نحن لا نحتاج بالضرورة إلى خريج جديد لكل وظيفة جديدة؛ أحياناً نحتاج فقط إلى إعادة اكتشاف خريج موجود، وإعادة تأهيله، وفتح الطريق أمامه إلى وظيفة يحتاجها السوق.

وهنا يمكن أن تبدأ المعادلة الجديدة، حيث أن الجهة الطالبة تحدد الاحتياج، والجهة التدريبية تبني المسار، والباحث عن العمل يكتسب المهارة، وصاحب العمل يحصل على الكفاءة، والاقتصاد يستفيد من الجميع. فالمستقبل لا ينبغي أن يكون لمن يحمل التخصص الأكثر شيوعاً، بل لمن يمتلك المهارة التي يحتاجها المستقبل.