من عهد "عبدالعزيز" إلى "سلمان".. أمن الحرمين إرث يتطور لحماية ضيوف الرحمن
وثّقت وزارة الداخلية عبر فيديو تاريخي مراحل تطور منظومة أمن الحرمين الشريفين منذ عهد الملك عبدالعزيز حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، مبرزة انتقال الأمن من حضور ميداني تقليدي إلى منظومة متكاملة توظف البنية التحتية العملاقة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لخدمة ضيوف الرحمن.
قدّم تقرير لوزارة الداخلية، في سياق فيديو نشرته عبر منصتها الرسمية على «إكس»، قراءة تاريخية لمسيرة أمن الحرمين الشريفين، موثّقًا مشاهد تُعرض لأول مرة عن جهود ملوك المملكة منذ عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، في بناء وترسيخ وتطوير منظومة أمنية متكاملة لخدمة قاصدي المسجد الحرام والمسجد النبوي.
ويؤكد التقرير أن الطمأنينة التي يعيشها قاصدو الحرمين ليست مشهدًا عابرًا تصنعه لحظة أو موسمًا ينتهي بانتهاء أيامه، بل هي حصيلة مسيرة دولة جعلت أمن الحرمين وخدمة قاصديهما في صميم مسؤوليتها، وراكمت عبر عقود منظومة تتسع كلما اتسعت الرحاب، وتتقدم كلما تغيرت التحديات، مع تخطيط وتكامل بين الجهات واستثمار للتقنيات الحديثة لتعزيز السلامة والسكينة.
يشير التقرير إلى أن صفحة جديدة في تاريخ رعاية الحرمين بدأت منذ أن دخل الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- مكة المكرمة؛ إذ لم يكن الأمن إجراءً منفصلًا عن عمارة المكان، بل أحد أركان العناية به، وضرورةً تلازم كل طريق يقود إلى المسجد الحرام والمسجد النبوي والمشاعر المقدسة.
ومنذ ذلك العهد، مضت المملكة في بناء منظومة أمنية متدرجة؛ تتقدم مع نمو المدن المقدسة، وتستجيب لتزايد أعداد الحجاج والمعتمرين، وتعيد تشكيل أدواتها كلما تغيرت حركة الإنسان والمكان. كانت البداية تأسيسًا، ثم جاء الاتساع، ثم التنظيم، ثم التكامل، ثم التقنية، حتى وصلت منظومة أمن الحرمين اليوم إلى نموذج تتداخل فيه الخبرة الميدانية مع التخطيط، والإنسان مع التقنية، والاستجابة مع الاستباق.
وفي عهد الملك عبدالعزيز، لم تكن الدولة أمام مهمة تأمين موسم فحسب، بل أمام مسؤولية تأسيس الأمن في مدينتين تستقبلان المسلمين من مختلف أنحاء العالم. ومن هنا بدأت اللبنات الأولى للمنظومة الأمنية الحديثة؛ فأنشئت أجهزة الشرطة، وتطورت مؤسسات إعداد رجال الأمن، وكان من أبرز محطات تلك المرحلة إنشاء مدرسة الشرطة عام 1354هـ بأمر الملك عبدالعزيز، التي شكّلت إحدى اللبنات الأساسية في مسيرة التأهيل الأمني في المملكة.
ويبرز التقرير أن ذلك التأسيس لم يكن مجرد إنشاء جهاز أمني، بل ترسيخ لمفهوم أن أمن الحرمين ليس ظرفًا موسميًا، بل مسؤولية مستمرة، وأن رجل الأمن الذي يقف في رحاب الحرم لا يحرس مكانًا فحسب، بل يحمي رحلة إيمانية يقصدها المسلمون من كل صوب. ومنذ تلك اللحظة، اكتسبت الطمأنينة طابعًا مؤسسيًا، وأصبح الأمن جزءًا من مشهد يتكامل فيه بناء المكان، وتنظيم الحركة، وخدمة الإنسان.
ومع عهد الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله-، اتسعت آفاق عمارة الحرمين، وبدأت التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام، التي وُجّه بها في عهد الملك عبدالعزيز، وبدأ تنفيذها في عهد الملك سعود، واكتملت في عهد الملك فيصل -رحمهما الله-. وكان اتساع المكان يعني اتساع المسؤولية: طرقًا أكثر، وساحات أوسع، وأعدادًا متزايدة من القادمين.
ويبيّن التقرير أن تنظيم حركة الحجاج لم يعد مسألة ميدانية محدودة، بل أصبح علمًا من علوم إدارة الحشود، تتقاطع فيه الطرق والمداخل والمخارج والنقل والخدمات والأمن. فكل توسعة عمرانية كانت تستدعي معها توسعة في التفكير الأمني، وكل زيادة في أعداد القاصدين كانت تطرح سؤالًا جديدًا: كيف يصل الملايين إلى مقصد واحد، في أوقات متقاربة، ويؤدون مناسكهم في انسيابية وطمأنينة؟ وكانت الإجابة تتشكل تدريجيًا في الميدان.
وفي عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله-، واصلت المملكة بناء مقومات الخدمة والأمن في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، بالتوازي مع نمو البنية التحتية وشبكات الطرق والمياه والكهرباء. ولم تعد الحشود تُرى باعتبارها أعدادًا فقط، بل حركة ينبغي فهمها وتنظيمها؛ فالمسار الذي يسلكه الحاج، والوقت الذي يتحرك فيه، والطريق الذي يعبره، والخدمة التي يحتاج إليها، كلها عناصر أصبحت جزءًا من منظومة واحدة.
وفي هذا السياق، بدأت تتبلور فلسفة مختلفة للأمن؛ فالأمن لا ينتظر الازدحام حتى يتدخل، بل يعمل على ألا يتحول الازدحام إلى خطر. ومع تطور البنية التحتية في المشاعر، وتوفير الخدمات والمرافق وشبكات الطرق، أخذت إدارة الحج تتجه بصورة أكبر نحو التكامل بين الأمن والخدمات.
وفي عهد الملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله-، دخلت المملكة مرحلة جديدة من التوسع في البنية الأساسية، وانعكس ذلك على منظومة الحج والحرمين. وكان افتتاح مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة عام 1401هـ محطة مهمة في استقبال ضيوف الرحمن، بالتزامن مع توسع شبكات الطرق وتطور إمكانات الاتصال والتنظيم.
ويشير التقرير إلى أن الجاهزية لم تعد تعني انتظار وصول الحاج، بل أن تكون المنظومة قائمة قبل وصوله؛ تستقبل، وتوجّه، وتنظم، وتستجيب. ومن هنا أخذ الأمن يتحول من حضور ميداني إلى منظومة مستمرة، تتكامل فيها الأجهزة والقطاعات، ويصبح نجاحها مرهونًا بسرعة التنسيق بقدر ما هو مرهونًا بكفاءة التنفيذ.
ثم جاء عهد الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-، ليشهد واحدة من أبرز مراحل التحول في تاريخ الحرمين الشريفين؛ إذ وسّعت التوسعة السعودية الثانية مساحة المسجد الحرام، وترافقت معها مشروعات واسعة في الساحات والمرافق والخدمات، كما تطورت منظومات الحركة والسلامة والبنية التحتية في المشاعر المقدسة.
وفي هذه المرحلة ظهرت حلول هندسية وأمنية تعكس حجم التحدي؛ من الخيام المقاومة للحريق، إلى تطوير الطرق والمرافق، وصولًا إلى المشروعات التي عززت انسيابية حركة الحجاج. كان المكان يكبر، والأمن يكبر معه، وأخذت المنظومة الأمنية تكتسب مزيدًا من التخصص والتكامل، لتصبح إدارة الحشود والسلامة والطوارئ والنقل والخدمات حلقات في منظومة واحدة؛ أمن لا يلفت الانتباه لأنه يعمل في اللحظة المناسبة، ولا يظهر أثره أحيانًا إلا في غياب الخطر.
وفي عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله-، دخلت منظومة الحرمين مرحلة جديدة من المشاريع الكبرى، فبدأت التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام، التي ارتبطت بها منظومة واسعة من الساحات والأنفاق والمرافق والخدمات، بما يعزز انسيابية دخول المصلين وخروجهم.
ويؤكد التقرير أن الطرق لم تعد مجرد بنية تحتية، بل أداة لتنظيم الحركة، وأن الجسر لم يعد مجرد منشأة، بل أصبح جزءًا من منظومة إدارة الحشود، وأن النقل لم يعد خدمة منفصلة، بل عنصرًا في سلامة الرحلة. توسعة المطاف، وجسر الجمرات، وقطار المشاعر، مشروعات اختلفت وظائفها، لكنها التقت عند غاية واحدة: أن تتحرك الملايين بأكبر قدر ممكن من السكينة، وأن تتحول الرحلة من تحدٍ لوجستي هائل إلى تجربة أكثر انسيابية وأمانًا، لتصبح هندسة المكان شريكًا في صناعة الطمأنينة.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، واصلت المملكة استكمال مشروعات التوسعة والعناية بالحرمين والمشاعر المقدسة، بالتوازي مع تحول أوسع في أدوات الإدارة والخدمة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. ومع متابعة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، انتقلت رحلة تطوير مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى آفاق أكثر شمولًا، تتكامل فيها البنية التحتية مع التحول الرقمي وإدارة الحشود وتحسين تجربة ضيوف الرحمن.
ويصف التقرير منظومة الأمن اليوم بأنها أكثر من عين تراقب الميدان؛ فهي منظومة تجمع البيانات، وتحلل الحركة، وتدعم اتخاذ القرار، وتستفيد من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في إدارة الحشود. وهنا تغيّر معنى الأمن؛ فلم يعد فقط أن ترى ما يحدث، بل أن تفهمه، وتستشرف ما قد يحدث، وتتحرك قبل أن يتحول الاحتمال إلى مشكلة.
ويشدد التقرير على أن التقنية ليست غاية بذاتها، وأن الأنظمة ليست منفصلة عن الغاية الكبرى؛ فكل كاميرا، وكل مركز عمليات، وكل طريق، وكل قطار، وكل توسعة، وكل خطة، وكل رجل أمن يقف في الميدان، تلتقي جميعها عند إنسان جاء من أقصى الأرض ليؤدي نسكه.
ولهذا، فإن نجاح منظومة الأمن لا يقاس فقط بعدد الخطط أو الأجهزة أو التقنيات، بل بما يشعر به ضيف الرحمن عندما يتحرك في مكة والمدينة والمشاعر؛ أن الطريق واضح، وأن المكان آمن، وأن هناك من يعرف كيف يحميه دون أن يشعر بثقل الحماية، في واحدة من أكثر صور الأمن إنسانية.
ويخلص التقرير إلى أن أمن الحرمين لم يكن يومًا عمل قطاع منفرد، بل منظومة وطنية واسعة تتقاطع فيها الأجهزة الأمنية، والخدمات الصحية، والنقل، والبلديات، والخدمات التشغيلية، والجهات المعنية بالحرمين، وغيرها من القطاعات التي تعمل في مشهد واحد. وهكذا انتقل مفهوم الأمن من حراسة المكان إلى حماية الرحلة؛ رحلة تبدأ قبل الوصول إلى الحرم، وتستمر في الطريق، وفي الساحات، وفي المشاعر، وفي لحظة أداء النسك، وتنتهي بعودة ضيف الرحمن إلى وطنه وهو يحمل ذكرى بلدٍ جعل من خدمته مسؤولية لا تنقطع.
ومن الملك عبدالعزيز إلى الملك سلمان -رحم الله الملوك الذين سبقوه وحفظه-، لم تتغير الغاية وإن تغيرت الأدوات؛ ظل الحرمين في قلب اهتمام القيادة، وظلت خدمة قاصديهما عنوانًا ثابتًا، بينما كانت الوسائل تتقدم مع الزمن؛ من الشرطة الأولى، إلى المؤسسات الأمنية المتخصصة، إلى غرف العمليات، إلى إدارة الحشود، إلى البنية التحتية العملاقة، إلى الأنظمة الرقمية، إلى الذكاء الاصطناعي، في مسيرة طويلة لم يكن فيها التطور مجرد إضافة تقنية، بل استجابة طبيعية لحجم المسؤولية.
ويشير التقرير إلى أن المملكة تقف اليوم أمام منظومة أمنية لا تنظر إلى الحاضر وحده، بل تستعد لمستقبل تتزايد فيه أعداد القاصدين وتتنوع احتياجاتهم وتتسارع فيه التقنية. وفي أطهر البقاع، تبدو قصة الأمن مختلفة؛ لأنها لا تتحدث عن جدران تُحمى فقط، ولا عن طرق تُراقب، ولا عن حشود تُنظم، بل عن إنسان؛ عن حاج جاء تلبيةً لنداء الإيمان، ومعتمر يبحث عن السكينة، وزائر يريد أن يؤدي عبادته في أجواء آمنة مطمئنة.
وتختتم وزارة الداخلية رسالتها بأن الغاية ظلت واحدة وإن تعددت الوسائل: أن يصل ضيف الرحمن آمنًا، وأن يؤدي نسكه مطمئنًا، وأن يعود حاملًا ذكرى بلدٍ سخّر إمكاناته لخدمة رحلته. تلك هي قصة أمن الحرمين؛ مسيرة بدأت بتأسيس الدولة، وتنامت مع نمو المكان، وتطورت مع تطور الإنسان، وبلغت اليوم مرحلة تتجاور فيها الخبرة المتراكمة مع التقنية الحديثة، في إرثٍ راسخ لا يتوقف عند الماضي، بل يتحول في كل عهد إلى قدرة جديدة على حماية الحاضر وصناعة المستقبل، لتبقى الطمأنينة في الحرمين الشريفين العنوان الأبرز الذي تُقاس به هذه المسيرة.