لماذا أصبح الإنترنت يعرفك أكثر مما تعرفه أنت⁉️
مقال رأي
يوضح المقال أن الإعلانات والمحتوى "المناسب لاهتماماتك" على الإنترنت نتيجة لأنظمة تتبع وتحليل لبيانات استخدامك، مثل ملفات تعريف الارتباط، ومدة مشاهدة المقاطع، وطبيعة تفاعلك مع المواقع والتطبيقات، وليس بالضرورة بسبب "تجسس" مباشر أو استماع دائم للميكروفون. ويؤكد أن المستخدم يستطيع الحد من هذا التتبع عب…
هل سبق أن بحثت عن سيارة جديدة، ثم لاحظت أن إعلانات السيارات بدأت تظهر أمامك في مواقع وتطبيقات مختلفة؟ أو شاهدت مقطعًا عن السفر، لتجد بعد ذلك مزيدًا من المقاطع والعروض المتعلقة بالوجهات السياحية؟
قد تعتقد أن الأمر مجرد مصادفة، لكنه في كثير من الحالات نتيجة لأنظمة تعمل على تحليل نشاطك واهتماماتك أثناء استخدام الإنترنت.
فنحن نترك خلفنا معلومات أكثر مما نتوقع. كل عملية بحث أو مقطع نشاهده أو منتج نتصفحه قد يضيف معلومة جديدة عن اهتماماتنا، بحسب الخدمة التي نستخدمها وإعدادات الخصوصية فيها.
ومع مرور الوقت تستطيع بعض المنصات تكوين تصور عن الأشياء التي نفضلها والمحتوى الذي يجذب انتباهنا، بل وقد تتوقع ما نرغب في مشاهدته أو شرائه لاحقًا.
لكن كيف يحدث ذلك؟
ماذا يحدث عندما تتصفح الإنترنت؟
عندما تدخل إلى موقع إلكتروني، قد يستخدم ملفات صغيرة تُعرف باسم ملفات تعريف الارتباط أو Cookies.
تساعد هذه الملفات المواقع على تذكر بعض المعلومات، مثل تسجيل الدخول واللغة المفضلة والمنتجات التي وضعتها في سلة التسوق.
لكن بعض ملفات تعريف الارتباط وتقنيات التتبع الأخرى يمكن استخدامها أيضًا لمعرفة نشاط المستخدم عبر مواقع مختلفة، خصوصًا عندما تكون هناك خدمات إعلانية مشتركة بينها.
وهناك تقنيات أخرى تعتمد على معلومات المتصفح والجهاز للمساعدة في تمييز المستخدمين أو أجهزتهم، دون الحاجة دائمًا إلى معرفة أسمائهم الحقيقية.
وهذا لا يعني أن كل موقع يعرف جميع تحركاتك على الإنترنت، وإنما أن بعض الشركات تستطيع جمع معلومات من مصادر متعددة وفق التقنيات المستخدمة والصلاحيات المتاحة.
لماذا تظهر لك إعلانات عن أشياء بحثت عنها؟
لنفترض أنك دخلت إلى متجر إلكتروني وشاهدت هاتفًا جديدًا، ثم غادرت دون شرائه.
بعد ساعات قد يظهر لك إعلان للهاتف نفسه أثناء تصفح موقع آخر.
قد يحدث ذلك لأن المتجر يستخدم خدمة إعلانية تستطيع التعرف على زيارتك السابقة وعرض إعلان مرتبط بالمنتج الذي شاهدته.
وتُعرف هذه الطريقة بإعادة الاستهداف الإعلاني.
وفي حالات أخرى لا يحتاج النظام إلى معرفة المنتج الذي بحثت عنه تحديدًا، فقد يعتمد على اهتمامات عامة استنتجها من نشاطك السابق.
ولهذا قد تظهر لك إعلانات عن السفر بعد مشاهدة مقاطع سياحية، أو منتجات رياضية بعد متابعة محتوى متعلق بالرياضة.
لكن ظهور إعلان مناسب لاهتماماتك لا يعني بالضرورة أن هاتفك يستمع إلى محادثاتك.
هل التطبيقات تسمع كلامنا؟
هذا من أكثر الأسئلة التي تتكرر بين المستخدمين.
قد تتحدث مع أحد أصدقائك عن منتج معين، ثم تفتح هاتفك وتجد إعلانًا عنه.
ورغم أن الموقف قد يبدو غريبًا، فإن ظهور الإعلان وحده ليس دليلًا على أن التطبيق استخدم الميكروفون للتنصت عليك.
فهناك تفسيرات أخرى، منها نشاطك السابق أو اهتماماتك المسجلة أو الإعلانات المرتبطة بالمحتوى الذي تشاهده، وقد يكون الأمر مجرد مصادفة.
ومع ذلك، من المهم مراجعة التطبيقات التي تمتلك صلاحية الوصول إلى الميكروفون والكاميرا والموقع الجغرافي، وعدم منح هذه الصلاحيات إلا عند الحاجة.
حتى الوقت الذي تقضيه أمام المقطع قد يكون مهمًا
لا تعتمد بعض منصات التواصل على ما تبحث عنه فقط، بل تستفيد أيضًا من طريقة تفاعلك مع المحتوى.
فالمقاطع التي تشاهدها والموضوعات التي تتفاعل معها والحسابات التي تتابعها قد تساعد أنظمة التوصية على اختيار المحتوى الذي يظهر لك لاحقًا.
ولهذا قد تلاحظ أنك عندما تهتم بموضوع معين، تبدأ مشاهدة المزيد من المقاطع المشابهة له.
والمشكلة أن هذه الأنظمة لا تعرف دائمًا ما إذا كان اهتمامك بالموضوع دائمًا أو مؤقتًا.
فقد تبحث عن مرض لمساعدة أحد أفراد أسرتك، أو تشاهد مقطعًا عن سيارة لا تنوي شراءها، ثم تستمر بعض المنصات في اقتراح محتوى مشابه.
وهنا يجب أن نفرق بين معرفة اهتمامات المستخدم وبين فهم شخصيته وحياته بشكل كامل.
فالمنصات قد تتوقع بعض تفضيلاتك، لكنها لا تعرف بالضرورة أسباب تصرفاتك أو حقيقة ما تفكر فيه.
هل يمكن تقليل المعلومات التي تجمعها التطبيقات؟
نعم، يستطيع المستخدم تقليل بعض أشكال التتبع والتحكم في جزء من البيانات التي تُستخدم لتخصيص الإعلانات والمحتوى.
في أجهزة iPhone يمكن الدخول إلى الإعدادات ثم الخصوصية والأمن ثم التتبع، ومراجعة التطبيقات التي طلبت السماح بتتبع النشاط عبر تطبيقات ومواقع تابعة لشركات أخرى.
كما يمكن إيقاف خيار السماح للتطبيقات بطلب التتبع.
أما مستخدمو Android فيمكنهم مراجعة إعدادات الخصوصية والإعلانات في الجهاز وحساب Google، مع اختلاف بعض الخيارات بحسب إصدار النظام والشركة المصنعة.
وتوفر Google أيضًا مركزًا لإدارة الإعلانات المخصصة، يستطيع المستخدم من خلاله مراجعة بعض المعلومات والأنشطة المستخدمة في تخصيص الإعلانات وإيقاف هذا التخصيص إذا رغب.
ومن المفيد كذلك مراجعة أذونات التطبيقات وحذف الحسابات التي لم تعد تستخدمها، مع الانتباه إلى أن حذف التطبيق من الهاتف لا يعني بالضرورة حذف بيانات الحساب لدى الشركة.
ولا توجد خطوة واحدة تمنع جميع أشكال جمع البيانات، لكن هذه الإجراءات تمنح المستخدم قدرًا أكبر من التحكم في خصوصيته.
هل جمع البيانات أمر سيئ دائمًا؟
ليس بالضرورة.
فهناك فوائد واضحة لاستخدام البيانات، مثل تذكر تفضيلات المستخدم وتقديم نتائج بحث أكثر ارتباطًا باهتماماته واقتراح محتوى قد يناسبه.
كما تساعد بعض البيانات على تحسين أداء الخدمات واكتشاف المشكلات التقنية وحماية الحسابات.
لكن الفارق المهم هو أن يعرف المستخدم ما المعلومات التي تُجمع عنه وكيف تُستخدم، وأن تتاح له خيارات واضحة للتحكم فيها.
فالاستفادة من الخدمات الرقمية لا تعني أن يتجاهل الإنسان خصوصيته.
الإنترنت لا يعرف كل شيء عنك
رغم التطور الكبير في تحليل البيانات، من غير الدقيق القول إن الإنترنت يعرف كل تفاصيل حياتنا.
فالإنترنت ليس جهة واحدة تحتفظ بمعلومات الجميع، بل شبكة من المواقع والتطبيقات والخدمات التي تجمع أنواعًا مختلفة من البيانات.
وقد تعرف إحدى المنصات اهتماماتك الرياضية، بينما تحتفظ خدمة أخرى بعمليات البحث التي أجريتها، ويعرف متجر إلكتروني المنتجات التي شاهدتها.
لكن هذه المعلومات لا تعني بالضرورة أن كل جهة تستطيع الاطلاع على ما تعرفه الجهات الأخرى.
والأهم أن توقعات الأنظمة ليست صحيحة دائمًا، فقد تفسر اهتمامًا عابرًا على أنه تفضيل دائم.
ومع ذلك، فإن كثرة المعلومات التي نتركها أثناء استخدامنا اليومي تستحق منا قدرًا أكبر من الانتباه.
فقد اعتدنا أن نسأل عن المعلومات التي نشاركها بأنفسنا، لكننا لا نفكر كثيرًا في المعلومات التي يمكن استنتاجها من طريقة استخدامنا للتقنية.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن الإنترنت أصبح أكثر قدرة على توقع اهتماماتنا، بل في أننا قد لا نعرف حجم المعلومات التي نتركها خلفنا.
فأنت لا تخبر التطبيقات دائمًا بما تحب، لكن طريقة استخدامك لها قد تكشف الكثير عن اهتماماتك دون أن تكتب كلمة واحدة.