في انتظار... الوقت المناسب
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يتناول المقال فكرة "الانتظار المؤجَّل" للحياة، حين يربط الإنسان شعوره بالرضا أو الاكتمال بتحقق شرط مستقبلي مثل وظيفة أو زواج أو استقرار مالي، فيعيش حاضره كمرحلة مؤقتة لا يعتبرها حياة حقيقية. يربط الكاتب هذا السلوك بمفهومَي "السعادة المشروطة" و"وهم الوصول" في علم النفس، موضحاً كيف يعتاد العقل سريعاً…
ليست كل أشكال الانتظار تُرى بالعين. فهناك انتظار لا علاقة له بالمواعيد، ولا بالطوابير، ولا بعقارب الساعة. انتظار قد يمتد سنوات، بينما يبدو الإنسان من الخارج منشغلاً بحياته كأي شخص آخر. يدرس، ويعمل، ويخطط، ويحقق بعض أهدافه، لكنه يؤجل في داخله شيئًا لا يستطيع أن يسميه. يؤجل الإحساس بأن الحياة بدأت فعلًا.
وربما مررنا جميعاً بهذا الشعور، بدرجات مختلفة. نقول لأنفسنا: عندما أحصل على الوظيفة المناسبة سأرتاح، وعندما أستقر ماديًا سأبدأ أعيش، وعندما يأتي الوقت المناسب سأعود للرياضة، أو للسفر، أو للكتاب الذي أجلت قراءته منذ أشهر. تبدو هذه الجمل عادية، بل ومنطقية، لكن ما يلفت الانتباه أن "الوقت المناسب" كثيراً ما يتغير كلما اقتربنا منه.
ومن الطبيعي أن يخطط الإنسان لمستقبله، وأن يسعى إلى تحسين ظروفه، فوجود الأهداف يمنح الحياة اتجاهاً ومعنى. لكن متى يتحول هذا السعي الصحي إلى شعور دائم بأن ما نعيشه اليوم مجرد مرحلة مؤقتة، وأن الحياة الحقيقية تنتظرنا في مكان آخر؟
في علم النفس، لا يُنظر إلى هذه الحالة بوصفها تشخيصاً، لكنها تقترب من مفهوم يُعرف بـ السعادة المشروطة (Conditional Happiness)، وهو الميل إلى ربط الرضا بتحقق شرط معين، وكأن الإنسان لا يسمح لنفسه بالشعور بالاكتمال إلا بعد الوصول إليه.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يتقاطع مع مفهوم آخر في علم النفس الإيجابي يُعرف بـ وهم الوصول (Arrival Fallacy)، وهو الاعتقاد بأن تحقيق هدف معين سيمنح الإنسان شعوراً دائماً بالراحة أو الاكتمال، قبل أن يكتشف بعد فترة أن ذلك الشعور بدأ يتراجع، وأن هدفًا جديداً أصبح ينتظر في الأفق.
ولعلنا نلاحظ ذلك في حياتنا أكثر مما نتوقع. فقد يؤجل شخص الاهتمام بصحته أو ممارسة هواياته حتى يحصل على الوظيفة التي يتمناها، ثم يجد نفسه بعد حصوله عليها منشغلاً بترقية، أو منصب، أو فرصة أفضل. وقد يظن آخر أن الاستقرار سيبدأ بعد الزواج، ثم يكتشف أن ذهنه انتقل مباشرة إلى منزل أكبر، أو دخل أعلى، أو مرحلة جديدة يعتقد أنها الأقرب إلى الحياة التي يبحث عنها.
ولا يقتصر الأمر على القرارات الكبيرة. أحياناً يتسلل هذا التأجيل إلى تفاصيل صغيرة لا نمنحها كثيرًا من الانتباه. نؤجل السفر، أو جلسة مع صديق، أو تعلّم هواية، أو حتى فنجان قهوة نشربه على مهل، لأننا نقنع أنفسنا أن الاستمتاع يستحق ظروفاً أفضل من الظروف التي نعيشها الآن. هذا الانتظار لا ينتهي دائماً عند لحظة الوصول. فقد يحقق الإنسان ما انتظره لسنوات طويلة، ثم يكتشف أن الشعور الذي كان يظنه نهاية الرحلة لم يدم كما تخيّل. ليس لأن ما وصل إليه لم يكن مهماً، بل لأن العقل بطبيعته يعتاد سريعاً على ما يملكه، ثم يعيد توجيه رغبته نحو ما لم يتحقق بعد.
وقد تبدو هذه الحركة المستمرة نحو أهداف جديدة شكلاً من أشكال الطموح الصحي، لكنها أحياناً تخفي طبقة أعمق لا ننتبه لها بسهولة. فمن السهل أن نرى شخصاً يلاحق أهدافاً متعددة ويبدو منشغلاً بالإنجاز، لكن الأصعب أن نلاحظ ما الذي يتسرب منه في الطريق. فقد يؤجل راحته، أو يباعد بينه وبين من يحب، أو يمر على لحظاته البسيطة دون أن يمنحها حقها، أو حتى يؤجل شعوره بأن حياته تستحق أن تُعاش الآن، لا في وقت لاحق دائماً.
ولا يدعونا هذا إلى التخلي عن أحلامنا، ولا إلى التقليل من قيمة الطموح، بل إلى إعادة النظر في علاقتنا بالمستقبل. فالأهداف تمنح الحياة اتجاهاً، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى شرط للاستمتاع بها.
وبعد سنوات، قد لا نتذكر عدد الأهداف التي حققناها بقدر ما سنتذكر الأيام التي عشناها، والوجوه التي شاركتنا الطريق، والكتب التي قرأناها، والرحلات التي خضناها، والضحكات التي لم نؤجلها، وفنجان القهوة الذي شربناه مع صديق دون أن ننتظر مناسبة خاصة.
فالحياة لا تبدأ عندما تكتمل الظروف.
لأنها، في الحقيقة، لم تكن يوماً متوقفة.