بيني وبين ذعار... لماذا يتأخر الإنصاف؟
مقال رأي
يدور المقال في حوار بين الكاتب وصديقه "ذعار" حول ظاهرة تأخر المجتمع في الاعتراف بفضل الشخصيات المؤثرة إلا بعد رحيلها، حيث تُستحضر إنجازاتهم وتُكتب عنهم المقالات وكأن أثرهم لم يكن مرئيًا وهم أحياء. يؤكد الكاتب أن الإشكال في غياب التوثيق والإنصاف أثناء تشكل التجارب لا بعدها فقط، وأن الاعتراف بالإنجاز…
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا عندما كنا نجلس أنا وذعار في فناء "الاستراحة" على أطراف المدينة، الهواء حار على غير عادة الليل، و"بيالة" الشاهي أمام كل واحد منا يرسل بخارًا خفيفًا يتلاشى قبل أن يرتفع.
كان ذعار منشغلًا بتقليب مسبحته، بينما كنت أتصفح هاتفي وأقرأ عشرات التغريدات والمنشورات التي كُتبت عن شخصية عامة رحلت.
أغلقت الهاتف وقلت:
"يا ذعار... لاحظت شيء يتكرر كل مرة."
رفع رأسه وقال:
"وش هو؟"
قلت:
"كل ما رحل شخص مؤثر، فجأة يصير الجميع يعرف فضله الصحف تمتلئ بالمقالات، والناس تستعيد الصور والذكريات، وتبدأ الشهادات تتدفق من كل اتجاه كأن المجتمع لا يكتشف قيمة الناس إلا بعد غيابهم."
ابتسم ذعار وهو يرفع فنجال الشاي.
وقال:
"وهل هذا عيب؟"
قلت:
"ليس عيبًا بقدر ما هو سؤال لماذا يتأخر الاعتراف؟"
عدل جلسته وقال:
"لأن الناس ما تشوف الصورة كاملة إلا بعد ما تنتهي."
هززت رأسي معترضًا.
قلت:
"هذا التبرير نردده دائمًا لكن الإنجاز ما يولد يوم الوفاة الإنجاز يولد في سنوات التعب والعمل والقرارات الصعبة."
قال ذعار:
"لكن الإنسان وهو حي يختلف الناس حوله هذا يمدحه وذاك ينتقده أما إذا رحل، هدأ الجدل وبقي أثره."
سكت قليلًا ثم أكمل:
"خذ أي شخصية كبيرة مرت علينا أثناء حياتها كان حولها مؤيدون ومعارضون وبعد سنوات يتحول النقاش كله إلى سؤال واحد: ماذا بقي من أثرها؟"
أعدت النظر إلى فنجال الشاي.
ثم قلت:
"وهنا المشكلة يا ذعار نحن لا نوثق التجربة إلا بعد أن تنتهي."
ضحك وقال:
"أنتم يا أهل الإعلام تحبون التوثيق أكثر من اللازم."
قلت:
"لأن الأمم تُبنى بالذاكرة."
نظر إليّ باستغراب.
فأكملت:
"تأمل أسماء كثيرة أصبحت اليوم جزءًا من الذاكرة الوطنية عندما نتحدث عن غازي القصيبي مثلًا، نتذكر الأديب والإداري والمفكر نستعيد كتبه ومواقفه وأفكاره لكن من عاش مراحل مختلفة من حياته يعرف أنه لم يكن محل إجماع دائم."
هز ذعار رأسه موافقًا.
قلت:
"تعرض للنقد كما تعرض للإشادة اختلف الناس معه كما اتفقوا عليه لكن الزمن أعاد ترتيب الصورة."
قال ذعار:
"وهذا يؤكد كلامي."
قلت:
"بل يؤكد كلامي أنا."
ضحك.
فسأل:
"كيف؟"
قلت:
"لأننا لم نوثق التجربة كما يجب وهي تحدث تركنا السنوات تمر، ثم بدأنا نقرأ الحصيلة بعد النهاية."
سكت قليلًا.
فأضفت:
"الأمر نفسه مع نجيب محفوظ اليوم نتعامل معه بوصفه أحد أعمدة الأدب العربي لكن أثناء حياته كانت حوله معارك فكرية ونقاشات لا تنتهي."
قال ذعار:
"هذه طبيعة الحياة."
قلت:
"صحيح لكن الضجيج اختفى وبقي الأثر السؤال: لماذا ننتظر اختفاء الضجيج حتى نرى الأثر؟"
وضع ذعار مسبحته على الطاولة.
وقال:
"لأن الناس مشغولة بالتفاصيل."
قلت:
"إذن نحن بحاجة إلى ثقافة مختلفة."
سأل:
"وش تقصد؟"
قلت:
"أن نتعلم قراءة التجارب أثناء تشكلها، لا بعد انتهائها."
مال إلى الخلف وقال:
"يعني نحتفل بالناس وهم أحياء؟"
قلت:
"لا أتكلم عن الاحتفال أتكلم عن التوثيق والإنصاف."
ثم أكملت:
"هناك فرق كبير بين التقدير والتقديس وبين النقد والإنكار."
ظل صامتًا.
فواصلت الحديث:
"خذ تجربة الدكتور توفيق الربيعة مثلًا بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أي قرار، نحن أمام تجربة إدارية امتدت بين التجارة والصحة والحج والعمرة."
قال ذعار:
"الناس تختلف حولها."
قلت:
"وهذا طبيعي لكن الاختلاف لا يلغي قيمة التجربة."
ثم أضفت:
"القرارات والمشروعات والتحولات التي شهدتها تلك القطاعات تستحق أن تُقرأ وتُحلل وهي تحدث، لا بعد عشرين سنة."
هنا بدأ ذعار أقل يقينًا.
قال:
"يمكن."
قلت:
"وليس هذا المثال الوحيد."
ثم أشرت بيدي وكأنني أعد الأمثلة.
"انظر إلى ما حدث في قطاع الترفيه خلال السنوات الأخيرة."
قال:
"تقصد تجربة معالي المستشار تركي آل الشيخ."
قلت:
"نعم."
قال:
"حولها جدل كبير."
قلت:
"وهذا طبيعي أيضًا لكن لا يمكن إنكار حجم التحول الذي حدث على أرض الواقع."
هز رأسه موافقًا هذه المرة.
فقلت:
"المشكلة أننا أحيانًا نعتقد أن الاعتراف بالإنجاز يعني غياب النقد."
قال:
"وهذا غير صحيح."
قلت:
"تمامًا."
ثم أكملت:
"كما أن الاختلاف مع بعض القرارات لا يعني إنكار التجربة كاملة."
بدأت ملامح الاقتناع تظهر على وجه ذعار.
أخذ رشفة أخيرة من الشاي وقال:
"يعني أنت ترى أن المجتمع يتأخر أحيانًا في إنصاف الناس؟"
ابتسمت.
وقلت:
"ليس أحيانًا فقط."
نظر إليّ مبتسمًا وقال:
"يمكن عندك حق."
كانت تلك من اللحظات النادرة التي يعترف فيها ذعار بشيء من التراجع.
سكتنا قليلًا.
كانت أصوات السيارات البعيدة تتلاشى في الشارع، والليل يزداد هدوءًا.
ثم قال:
"تعرف وش المشكلة الحقيقية؟"
قلت:
"وش هي؟"
قال:
"أننا نخلط بين تقييم التجربة وتقييم صاحبها."
ابتسمت.
وقلت:
"وأخيرًا وصلنا لنفس النقطة."
ضحك ذعار وقال:
"يمكن."
رفعت فنجال الشاي الأخير، ونظرت إلى الشارع الخالي أمامنا.
وقلت:
"أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن يصنعون الفرق، أن يشعروا بأن أثرهم مرئي وهم ما زالوا هنا."
هز ذعار رأسه ببطء.
ثم قال:
"صحيح... لأن بعض الكلمات إذا تأخرت كثيرًا، تتحول من تقدير إلى رثاء."
وفي تلك اللحظة، شعرت أننا لم نكن نتحدث عن أشخاص بعينهم، بل عن ثقافة كاملة تحتاج أن تتعلم كيف ترى أثر الرجال قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات.