الوجاهة الرقمية: لماذا صار كسب الاحترام مرتبطاً بترندات ٍ زائفة

مقال رأي

د . عبدالله محمد الحارثي

2026-04-21T21:22:36.087Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يتناول المقال تحوّل مفهوم الوجاهة في المجتمعات العربية من مكانة تُكتسب عبر الكرم والعلم والحكمة والسلوك على مدى الزمن، إلى "وجاهة رقمية" تقوم على عدد المتابعين والتفاعل في منصات التواصل الاجتماعي. يحذّر الكاتب من تأثير هذا التحوّل في وعي الشباب وقيمهم، حيث أصبح السعي للشهرة الرقمية أولوية حتى على حس…

عرف العرب الوجاهة منذ القديم، وكانت لها أوزانها المعروفة: كرم يُحكى، وعلم يُرتجى، وحكمة تُستشار، ونسب يُفتخر به. كان الوجيه في مجتمعنا هو من تجلس إليه فتجد عقلاً يُستنار، ويداً تُستجار، ولساناً لا ينطق إلا بمعروف. كانت الوجاهة تُمنح بالسنين، وتُورث بالسلوك، لا تُنتزع بالحيلة.

واليوم؟ افتح "تيك توك" أو "إنستغرام"، تجد آلاف الوجوه التي صارت تُسمى "وجيهاً" بمعايير جديدة. فتى يرقص على أنغام أغنية عابرة فيحصد ملايين المشاهدات، فيتحول إلى "مشهور" يُدعى إلى المناسبات وتُطلب صورته إلى جانب كبار القوم. شابة تظهر في فيديو لا يتجاوز ثوانٍ، فتصير "مؤثرة" تقدم النصائح في الزواج والتربية، وتُصدر الأحكام على ما هو صحيح وخاطئ. إنها الوجاهة الرقمية: سلطة بلا علم، وهيمنة بلا حكمة، ومكانة بلا كرم.

الوجيه القديم والوجيه الجديد

في ثقافتنا، كان للوجيه وزن مختلف. كان يُعرف بباب مفتوح، ولسان لا يغتاب، ويد لا تبخل. كان احترام الناس له نتاجاً طبيعياً لسنين من العطاء والحضور. أما اليوم، فقد أصبح الاحترام سلعة توزعها الخوارزميات، والمكانة الاجتماعية رقماً يظهر بجانب الاسم: مليون متابع، مئة ألف إعجاب، ألف تعليق.

وهنا المفارقة: الرقم لا يسأل عن خلق، ولا يبحث عن كرم، ولا يزن حكمة. لكنه مع ذلك يملك من التأثير ما لم يملكه حكماء القبائل وأكابر العوائل . أتدري ما هو المؤلم؟ أننا لم نعد نستغرب أن يُدعى إلى مجالس الكبار من لا يملك إلا "ترند" أطلقه البارحة. ولم نعد نستنكر أن يُسأل الشاب عن عدد متابعيه قبل أن يُسأل عن علمه أو أدبه. صرنا في زمن صارت فيه الشهرة هي الوجاهة، والانتشار هو الاحترام، والوجاهة الحقيقية التي تحتاج إلى عمر من العطاء لا تساوي "ريلز" مدته ثلاثون ثانية.

كيف أعادت الخوارزميات تعريف الوجيه؟

الخوارزميات لا تعرف كرماً ولا حكمة. إنها تعرف شيئاً واحداً: التفاعل. فأي محتوى يثير فضولك، أو يغضبك، أو يضحكك، أو حتى يصدمك – ستجده الخوارزميات جديراً بالدفع إلى مزيد من الناس. وهكذا يصبح الوجيه الرقمي هو من يجيد استثارة المشاعر، لا من يستحق الاحترام.

المشكلة أن المجتمعات تحتاج إلى وجاهة حقيقية. تحتاج إلى من يُحتذى بهم في الأزمات، وإلى من تُستشار في الملمات. الوجاهة الرقمية لا تقدم هذا. إنها تقدم "مؤثرين" يختفون غداً كما ظهروا اليوم، وقد يكونون سبباً في ضلالة أكثر مما يكونون سبباً في هداية.

الوجاهة المزيفة وثمنها

أخطر ما في تحول الوجاهة إلى أرقام هو ما يفعله في نفوس الشباب. الشاب اليوم لم يعد يسأل نفسه: هل أنا كريم؟ هل أنا عالم؟ بل يسأل: لماذا لا أملك مئات الآلاف من المتابعين مثل فلان؟

ويبدأ بعدها البحث عن أي محتوى يجذب الانتباه، حتى لو كان على حساب الكرامة أو القيم. وكم من شاب خان قيم أسرته، وكم من فتاة استغلت خصوصيتها، وكم من أسرة انكشفت أسرارها، كل ذلك في سبيل "المتابعين" الذين أعطوهم إحساساً زائفاً بأنهم "وجيه".

هل من سبيل إلى استعادة الوجاهة؟

لا أظن أن العودة إلى الماضي ممكنة، ولا أن التقنية ستختفي. لكن يمكننا أن نعيد تعريف ما نعنيه بالاحترام والمكانة. لا بأس أن يكون للشاب حساب على "تيك توك"، لكن العيب أن يصبح هذا الحساب هو قيمته الوحيدة.

نحتاج إلى أن نُعلي في تربية أبنائنا قيمة العلم والكرم والأمانة والحكمة. نحتاج إلى أن نحتفل بمن يستحقون الاحتفاء، لا بمن صادفوا خوارزمية راضية عنهم. نحتاج إلى أن نُذكر أنفسنا أن الوجاهة الحقيقية لا تُباع ولا تُشترى، ولا تُنتزع بمقطع فيديو، بل تُبنى حجراً حجراً، وسنة بعد سنة، وموقفاً بعد موقف.

خاتمة

الوجيه الحقيقي ليس من يمشي وخلفه مئات الآلاف يصفقون له اليوم وينسونه غداً. الوجيه الحقيقي هو من يُسأل عنه الناس إذا غاب، ويُفتقد إذا رحل، وتُحفظ له كلمة طيبة تبقى بعد أن تنطفئ الشاشات وتُطوى المنصات.

فلنحتفظ بهواتفنا، ولننشر محتوانا، لكن لا نخلطن بين الانتشار والمكانة، ولا نبدلن حكمة الآباء بترندات الأبناء. فالوجاهة التي تستحق أن تُطلب، هي تلك التي تبقى حين تنقطع الكهرباء وتُطفأ الشاشات.

وأنتم؟ كيف ترون الوجاهة اليوم؟ هل تغيرت معايير الاحترام في مجتمعاتنا؟