حين لا تقرر… ستُقاد
مقال رأي
المقال يناقش تجربة الكاتب مع التردد والانتقال بين التخصصات، وكيف كوّن ذلك لديه شعورًا زائفًا بعدم القدرة على اتخاذ القرار، ثم اكتشف لاحقًا أن المشكلة ليست في قدرته بل في ثقته بنفسه واعتماده المفرِط على آراء الآخرين. يوضح أن الاستشارة مفيدة عندما تكون وسيلة للفهم لا للهروب من المسؤولية، وأن القرار في…
دعني أبدأ بحقيقة بسيطة:
إذا لم تتخذ قرارك بنفسك، سيتكفّل الآخرون بذلك.
في بداية حياتي، كنت أظن أن المشكلة في اختياراتي.
تنقّلت بين تخصصات مختلفة: من الدراسات الإسلامية إلى التسويق، ثم القانون… حتى استقررت أخيرًا على إدارة الأعمال.
ظاهريًا، كانت مجرد تغييرات.
لكن في الداخل، كان يتشكّل شيء آخر.
مع الوقت، بدأ يتكوّن لدي انطباع غير واعٍ:
أنني لا أجيد اتخاذ القرار.
حين تفقد وضوحك… دون أن تشعر
لم تكن الفكرة واضحة في ذهني،
لكنها انعكست على سلوكي.
أصبحت أستشير كثيرًا،
في أمور العمل، وفي قراراتي الشخصية.
لم يكن الهدف فقط الاستفادة،
بل البحث عن طمأنينة… أو ربما عن من يختار بدلًا عني.
وهنا بدأت أفقد شيئًا مهمًا:
وضوح صوتي الداخلي.
الاستشارة… بين الوعي والتشتّت
لا أحد ينكر أهمية الاستشارة،
بل هي من الأمور التي حُثّ عليها.
لكن هناك فرق بين أن تستشير لتفهم،
وبين أن تستشير لتتجنّب القرار.
حين تتعدد الآراء دون وعي،
يتراجع وضوحك.
وحين تعطي كل رأي المساحة نفسها،
يصبح القرار بعيدًا عنك… حتى لو كان صحيحًا.
ما الذي أدركته لاحقًا؟
حين التفتّ إلى قراراتي بصدق،
لم أجد مسارًا مثاليًا، ولا أخطاء متتالية.
وجدت مزيجًا طبيعيًا:
قرارات كان يمكن أن تكون أفضل،
وأخرى اتخذتها بنفسي، وصنعت فرقًا حقيقيًا في حياتي.
وهذا هو الطبيعي.
لا توجد حياة خالية من التردد،
ولا قرارات صحيحة دائمًا.
الفارق الحقيقي،
أن ترى الصورة كما هي… لا كما تخيّلتها.
التحوّل الحقيقي
أدركت أنني لا أفتقد القدرة على اتخاذ القرار،
بل أحتاج فقط أن أثق بها.
لم أتوقف عن الاستشارة،
لكنني أصبحت أستخدمها بوعي.
لأن هناك حقيقة مهمّة:
ليست كل نصيحة صالحة لك.
قد تكون مناسبة تمامًا لصاحبها،
لكنها لا تعكس ظروفك، ولا طريقتك، ولا وجهتك.
وهنا يكمن الفرق:
أن تستفيد من الرأي… دون أن تفقد قرارك.
ليس كل شيء يُعرض،
وليس كل قرار يُشارك.
هناك أمور إن شاركتها… تشوّهت،
ومساحات إن فتحتها للآخرين… فقدت وضوحها.
وهناك قرارات،
مهما تعددت فيها الآراء،
تبقى لك وحدك…
ولك وحدك حق اتخاذها.
القرار مسؤولية… لا عبء
اتخاذ القرار لا يعني أن تصيب دائمًا،
بل أن تتحمّل اختيارك.
بعض القرارات لن تكون مثالية،
لكنها ستمنحك وضوحًا… وتبني فهمك لنفسك.
أما التردد المستمر،
فلا يضيف لك إلا مزيدًا من الضباب.
كيف انعكس ذلك على عملي؟
هذا التحوّل لم يبقَ في حدودي الشخصية فقط،
بل انعكس بشكل مباشر على عملي في مجال الاستشارات.
أصبحت أفهم التردد بشكل مختلف.
أفهم لماذا يتردد البعض،
ولماذا يخاف من اتخاذ القرار،
ولماذا يبدو أحيانًا وكأنه عالق… رغم وضوح الخيارات أمامه.
لأنني مررت بهذه المرحلة.
لهذا، لا أتعامل مع القرار كإجابة جاهزة أقدّمها،
بل كمسار أساعد العميل على رؤيته بوضوح.
أوضّح له الصورة كاملة،
أطرح الزوايا التي قد لا يراها،
وأساعده على فهم الخيارات وتبعاتها.
لكن في النهاية،
أترك له المساحة الكاملة لاتخاذ قراره.
لأن القرار الذي يُفرض… لا يُبنى عليه،
أما القرار الذي يختاره بنفسه،
فهو الأقدر على الالتزام به… وتحمل نتائجه.
الخلاصة
المشكلة ليست في أنك تستشير،
بل في أن تختفي خلف الاستشارة.
القرار في النهاية يجب أن يكون لك،
لأنك الوحيد الذي سيتحمّل نتيجته،
وأنت الأقرب لفهم ما تريده فعلًا.
وفي النهاية،
القرار الذي لا تتخذه،
سيتحوّل إلى واقع… لا تملكه.