خبراء: أكاذيب الطفولة المبكرة مؤشر على نمو دماغي وليس خللاً سلوكياً
يرى أطباء أعصاب وأخصائيو نفس أن ما يُعرف بـ"الأكاذيب البيضاء" لدى الأطفال في سن مبكرة لا تعني بالضرورة خللاً في الشخصية، بل قد تكون علامة على نضج معرفي متزايد وتطور في ما يسمى "نظرية العقل"، مع التأكيد على عدم تشجيع الكذب مع تجنّب الذعر وردود الأفعال المبالغ فيها.
أوضح طبيب أعصاب الأطفال الدكتور عارف خان أن إصرار الطفل في سنواته الأولى على إنكار تصرُّف واضح، مثل قوله إنه تناول "قطعة بسكويت واحدة فقط" رغم دلائل العكس، لا يعني بالضرورة أنه سيئ أو متلاعب، بل قد يكون مؤشرًا على مرحلة طبيعية من تطور الدماغ.
وذكر خان في فيديو توضيحي منشور على منصة "يوتيوب" بعنوان "السبب الحقيقي وراء بدء الأطفال بالكذب على والديهم"، نقلًا عن موقع "upworthy"، أن الأطفال غالبًا ما يكذبون لأنهم يطوّرون ما يصفه علماء النفس بـ"نظرية العقل"؛ وهي القدرة على فهم أن الآخرين يمتلكون أفكارًا ومعتقدات مختلفة عما يدور في أذهانهم.
وقال خان: "إنها علامة فارقة في النمو. هذا يعني أن الطفل بدأ يدرك أن أمه لا تعرف ما يفكر فيه، وبمجرد أن يدرك ذلك، يبدأ في التجربة".
الكذب يتطلب جهدًا ذهنيًا معقدًا
وبيّن خان أن حتى الكذبة الصغيرة تحتاج إلى تنسيق ذهني متطور، لأن الدماغ مطالب أثناء الكذب بالقيام بثلاث مهام في وقت واحد:
تذكُّر الواقع كما حدث.
الامتناع عن قول الحقيقة.
توقُّع ما قد يصدقه الطرف الآخر.
وأشار إلى دراسة أُجريت في جامعة تورنتو عام 2015، أفادت بأن الأطفال الذين يبدؤون الكذب في سن مبكرة قد يحققون درجات أعلى في اختبارات الذكاء الاجتماعي والمعرفي.
لا تشجيع على الكذب ولا داعي للذعر
يشدد الأطباء على أن هذا التفسير لا يعني مكافأة الكذب أو التغاضي عنه، بل يهدف إلى مساعدة الوالدين على فهم أن ما يحدث قد يكون جزءًا من نضج معرفي متزايد، يمكن أن يدعم لاحقًا المهارات الاجتماعية والتعاطف مع الآخرين.
ونقل التقرير عن المعالجة النفسية المتخصصة في الصحة النفسية للوالدين ونمو الطفل، لورا تود، أن "الأكاذيب البيضاء" قد تمثل جزءًا صحيًا من النمو الاجتماعي والعاطفي، إذ تدل على أن الطفل يتعلم الموازنة بين الصدق واللطف في التعامل مع من حوله.
كيف يتعامل الوالدان مع كذب الطفل؟
توصي تود بإعطاء الأطفال فرصة لإعادة سرد الموقف بصورة حقيقية؛ كأن يقول الوالد: "ما تقوله لا يبدو أنه الحقيقة كاملة.. هل تريد أن تخبرني مرة أخرى؟"، مع التركيز على المشاعر التي قد تدفع الطفل للكذب، مثل الإحراج أو الخوف أو القلق.
كما تحذر من الاستجوابات القاسية وردود الأفعال الحادة التي قد تأتي بنتائج عكسية وتدفع الطفل لمزيد من الإخفاء والكذب.
من جهتها، توضح أخصائية العلاج الأسري ستيفاني باباس أن أساليب التربية التقليدية كانت تميل إلى "اللوم" و"التوبيخ" عند اكتشاف الكذب، بينما تسعى العديد من الأساليب الحديثة إلى بناء علاقة أكثر قربًا وثقة بين الوالدين والطفل.
وتقول باباس: "عندما يكذب طفلك، فهو لا يحاول إزعاجك بالضرورة، بل يحاول في كثير من الأحيان البقاء قريبًا منك ومتواصلاً معك"، واصفةً الكذب في هذه المرحلة العمرية بأنه "إنجاز عصبي مذهل" يرتبط بوظائف قشرة الفص الجبهي في الدماغ.