من «أبشر» إلى الخوارزميات.. كتاب سعودي يدعو لتصميم مستقبلنا الرقمي «قبل أن يجف الأسمنت»
أصدر الصحفي والكاتب السعودي طراد بن ناصر الأسمري كتابه الجديد «عقل الظلال.. كيف تفكر الكائنات غير المرئية بنا؟» عن مجموعة متون للنشر والإعلام، مقدِّماً أطروحة فكرية حول دور الأنظمة الرقمية والخوارزميات والبنى التحتية التقنية بوصفها «عقولاً ظلية» خفية تشارك في توجيه قرارات الإنسان وحركته وإدراكه للعا…
صدر حديثاً عن مجموعة متون للنشر والإعلام كتاب «عقل الظلال.. كيف تفكر الكائنات غير المرئية بنا؟» للصحفي والكاتب والمنتج السعودي طراد بن ناصر الأسمري، في أطروحة فكرية تتناول كيف باتت الأنظمة الرقمية والخوارزميات والبنى التحتية والواجهات التقنية شريكاً خفياً في تشكيل قرارات الإنسان وحركته وإدراكه للعالم، من مواقع لا يراها ولا ينتبه غالباً إلى أثرها.
وينطلق الكتاب، بحسب بيان الناشر، من مشهد يبدو عابراً: تعطُّل نظام الجوازات في مطار كبير، حيث تتوقف الشاشات وتتراكم الطوابير ويفقد المسافرون قدرتهم على معرفة ما ينبغي فعله؛ ليكشف المؤلف أن الذي تعطّل لم يكن جهازاً فحسب، بل «عقلاً» كاملاً كان يدير المكان من خلف الستار، يرتب حركة الأجساد ويحدد من يعبر ومن ينتظر.
ويطلق الأسمري على هذه الأنظمة اسم «العقول الظلية»؛ لأنها تؤدي بعض وظائف التفكير من موقع غير مرئي: تسمح وتمنع، وترتب وتستبعد، وتقيس وتتنبأ، من دون وعي إنساني أو حضور بوصفها سلطة ظاهرة. فالزر في تطبيق، والخانة في استمارة، والإعداد الافتراضي في الهاتف — كما يرى الكتاب — ليست عناصر محايدة تماماً، إذ يفتح كل منها باباً ويغلق آخر، وقد يرسم حدود الاختيار قبل أن يتوهم الإنسان أنه اختار بحرية.
من استيراد الأنظمة إلى تصميم «ظلالنا»
ويكتسب الطرح خصوصيته من السياق السعودي والعربي؛ إذ يرى المؤلف أن المنطقة تعيش لحظة تاريخية نادرة تبني فيها بنيتها الرقمية الخاصة، مكرراً صورة «الأسمنت الذي لم يجف بعد» في إشارة إلى أن القرارات التصميمية المتخذة اليوم قد تتحول غداً إلى بنى راسخة يصعب تغييرها. ويكتب: «العقول الظلية قرار لا قدر. ومن يستطيع أن يقرر يستطيع أن يصمم».
ويخصص الكتاب فصلاً لتجربتي «أبشر» و«توكلنا» بوصفهما نموذجين لتحول تجاوز تقديم الخدمات المنفردة إلى طبقة رقمية توحّد الهوية والجهات الحكومية والخدمات اليومية، معتبراً التجربة لحظة انتقال من استهلاك «الأسمنت الرقمي» إلى المشاركة في اختراعه وفق الاحتياجات الوطنية.
خمسة أبواب.. وفصل للاعتراضات
ويتوزع الكتاب على خمسة أبواب تضم 17 فصلاً، تتدرج من «العقول المستوردة» وإمكان تصميم الأنظمة الوطنية، إلى «عقول البنية» المنظمة للأجساد والحركة، ثم «عقول الوساطة» بين الإنسان والعالم، فـ«عقول الحكم» من خوارزميات وأسعار ودرجات وتوصيات لا تكتفي بوصف الواقع بل قد تعيد تشكيله، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه «الظل الذي تكلم» — نظاماً لم يعد يوجّه الإنسان بصمت، بل يحاوره بلغته ويتنبأ بسلوكه.
ولا يكتفي المؤلف بعرض أطروحته؛ إذ يفرد فصلاً كاملاً لأقوى الاعتراضات عليها بعنوان «في مديح الظل»، يناقش حاجة الإنسان إلى الأنظمة والمعايير وخطر تحول كشف كل طبقة خفية إلى شلل معرفي، قبل أن يختم بأسئلة عملية لفحص الأنظمة قبل اعتمادها، وملحق معجمي ومراجع فلسفية تمتد من أرسطو وكانط إلى فوكو وبودريار وباومان.
يُذكر أن الأسمري أصدر سابقاً «كيف تفكر القطط؟» و«الرسائل العشرون» و«الأرض بلا بشر»، ويواصل في «عقل الظلال» مشروعه في مساءلة الأشياء القريبة التي نستخدمها يومياً بينما تحتفظ بسلطتها خلف اعتيادنا عليها.