مكيالان لا مكيال واحد: كيف تفصل «الجزيرة» بين العربي والإنجليزي في تغطية السعودية والحوثيين
المقال يخلص إلى أنّ قناة الجزيرة تستخدم بالفعل "مكيالين" في تغطية أخبار السعودية، لكن الفارق الرئيس ليس بين العربية والإنجليزية فقط، بل على ثلاثة محاور: الزمن (قبل مصالحة العُلا وبعدها)، وطبيعة الفاعل (دولة سعودية مقابل ميليشيا حوثية)، ونوعية الجمهور (عربي عاطفي مقابل غربي يُقدَّم له إطار "متوازن").…
الفرضية التي انطلقت منها: أن الجزيرة «تكيل بمكيالين» بين نسختها العربية والإنجليزية في أحداث المملكة. النتيجة بعد فحص أسبوع كامل (10–18 سبتمبر) عبر المنصتين وموقعيهما، مع الرجوع إلى الدراسات المنشورة: نعم هناك مكيالان، لكن ليسا بالضرورة على الخط الذي نتوقعه. الخط الفاصل الأوضح ليس «عربي ضد إنجليزي»، بل ثلاثة خطوط أخرى: خط زمني (قبل العُلا وبعدها)، وخط الجهة الفاعلة (الدولة السعودية مقابل الميليشيا)، وخط الجمهور (عربي عاطفي مقابل غربي «متوازن»). التفصيل أدناه.
أولًا: الحجم والوزن
حساب الجزيرة العربي على «إكس» يتابعه 22.9 مليون حساب، والإنجليزي 10.06 مليون، و«الجزيرة عاجل» العربي 2.79 مليون، ونظيره الإنجليزي 2.62 مليون. أي إن ما يُقال بالعربية يصل إلى أكثر من ضعف ما يُقال بالإنجليزية، وهذا يجعل النسخة العربية هي الأهم عند قياس الأثر في الجمهور السعودي والعربي، والإنجليزية هي الأهم عند قياس ما يصل إلى صانع القرار الغربي.
ثانيًا: مكة المكرمة (15–16 سبتمبر) — العربية أكثر انحيازًا للموقف السعودي من الإنجليزية
هنا المفاجأة الأولى. الجزيرة نت نشرت خبرين: الأول «إسقاط مسيّرة قبل دخولها مكة.. والتحالف: أمن الحرمين خط أحمر»، أخذ بيان اللواء المالكي بأفعال إسناد محايدة (أعلن، بيّن، أكد)، وأورد نفي حزام الأسد في فقرة واحدة وسط المتن، واستعاد سابقة 2017. والثاني، وهو الأهم، «إلا البيت الحرام.. غضب إثر اتهام الحوثيين باستهداف مكة»، مادة تفاعلية خصّصت نحو 80% من مساحتها لغضب المغردين واستنكارهم، وحشرت النفي الحوثي في الفقرة الأخيرة. كلمات المادة: «غضب، استنكار، فداحة، استهجان». هذه تغطية تُشبه ما تنشره الصحف السعودية أكثر مما تُشبه «حياد» الجزيرة المعتاد.
أما الجزيرة الإنجليزية فنشرت «Saudi-led coalition intercepts Houthi drone headed for Mecca»، وأدرجت النفي الحوثي مرتين: مرة في المتن ومرة في فقرة مستقلة بعنوانها الفرعي، مع سياق كامل عن «الحصار» الحوثي والتهدئة الأممية وباب المندب. النفي هنا نُصب مقابلًا مساويًا للإعلان الرسمي.
الخلاصة في هذه الواقعة: النسخة العربية اصطفّت عاطفيًا مع الغضب الإسلامي، والإنجليزية قدّمت الواقعة على أنها «رواية مقابل رواية».
ثالثًا: الطائف (17 سبتمبر) — أول قتيل سعودي يذوب في «تبادل هجمات»
الجزيرة نت أفردت خبرًا مستقلًا بعنوان «قتيل وجريحان إثر سقوط شظايا مسيّرة حوثية في الطائف»، ونسبت الإطلاق إلى الحوثيين في العنوان بلا تحفظ، وأوردت تعبير «المليشيا الحوثية الإرهابية» داخل الاقتباس الرسمي، وذيّلته بالإدانات الدولية ومنها القطرية.
الجزيرة الإنجليزية لم تُفرد خبرًا؛ العنوان الوحيد كان «Five killed as Saudi Arabia and Yemen's Houthis trade attacks» (خمسة قتلى في تبادل هجمات بين السعودية والحوثيين). القتيل في الطائف ذُكر أولًا، لكن العنوان جمعه مع ثلاثة أطفال قالت قناة «المسيرة» الحوثية إنهم قُتلوا في غارات، دون تحقق مستقل، ومع ضحايا في تعز وعبس. النتيجة: خبر مصدره الدفاع المدني السعودي رسميًا وُضع في كفة واحدة مع أرقام مصدرها إعلام الميليشيا، تحت عنوان يفترض التماثل. المتحدثون المقتبسون في المادة: عبدالملك الحوثي («كذبة شنيعة»)، ومتحدث إيراني، ووزير الدفاع الباكستاني؛ والإعلان السعودي عن المسيّرة «مذكور دون اقتباس مباشر».
وهذا هو المكيال الحقيقي: التسوية البنيوية بين دولة وميليشيا في العنوان والبناء، لا التحريف في التفاصيل.
رابعًا: «إف-35» (17 سبتمبر) — العربية ترجمة بيان، والإنجليزية تحقيق
انقلبت الصورة هنا. الجزيرة نت نشرت «واشنطن توافق على صفقة محتملة لبيع مقاتلات إف-35 للسعودية»: خبر تقني نظيف بلا صين ولا إسرائيل ولا كونغرس ولا سياق. الجزيرة الإنجليزية نشرت «Trump administration approves sale of F-35 jets to Saudi Arabia» وأدرجت تحذير الاستخبارات الأمريكية من التجسس الصيني (عن نيويورك تايمز)، ومعارضة النائب كريشنامورثي، وقلق إسرائيل، وربطت الصفقة بـ«معاناة السعودية العسكرية أمام الحوثيين» وبإسقاط مقاتلة سعودية زعمه الحوثيون، وبطلبات سعودية «لم تنجح» لتدخل أمريكي مباشر. لم تذكر خاشقجي ولا حقوق الإنسان.
أي أن العربية أعطت القارئ العربي الخبر مجردًا، والإنجليزية أعطت القارئ الغربي خبرًا مؤطرًا بضعف سعودي وقلق أمريكي إسرائيلي.
خامسًا: المصطلح — القاعدة الثابتة في النسختين
في كل ما فحصته، لا تصف الجزيرة الحوثيين في صوتها الخاص بأنهم «ميليشيا» ولا «إرهابيين». العربية تستخدم «جماعة أنصار الله (الحوثيون)» وتورد «المليشيا الحوثية الإرهابية» داخل الاقتباسات الرسمية فقط. الإنجليزية تستخدم «Houthis»، «Iran-aligned group»، «Ansar Allah»، وأحيانًا «rebels». وفي المقابل، توصف الحكومة اليمنية بـ«المعترف بها دوليًا»، والتحالف بـ«Saudi-led». هذا ليس مكيالين، بل مكيال واحد ثابت يختلف عن مكيالنا.
وفي مواد التحليل الإنجليزية عن التصعيد الأخير ظهرت ميول أوضح: مادة 11 سبتمبر وصفت التقدم الحوثي بـ«انتصار عسكري مذهل» ولم تستشهد إلا بمسؤول حوثي، ومادة 24 يوليو عن ضربات الحديدة بدأت ببيان حوثي وصُدّرت بعبارة «Yemeni group says»، ومادة 23 يوليو أعطت مؤيدي الحوثيين في صنعاء صوتين مقابل صوتين معارضين.
سادسًا: ما تقوله الدراسات — المكيال الزمني
هنا الجواب عن سؤال «لماذا تبدو العربية ألين اليوم؟». دراسة صموئيل-أزران وبيخت (2014) في دورية Media, War & Conflict وجدت «علاقة قوية جدًا» بين نبرة الجزيرة العربية تجاه السعودية وتوقيت الأزمة السعودية-القطرية، مع «ارتفاع دراماتيكي» في مواد انتهاكات حقوق الإنسان ودعم الإرهاب خلال الأزمة. ودراسة بولوك في معهد واشنطن (2011) وثّقت أن العربية غطّت دخول القوات السعودية إلى البحرين تحت عنوان «حكومة البحرين ترفض التدخل الأجنبي» موجّهةً الاتهام لإيران، بينما بثّت الإنجليزية صور القوات عبر الجسر. وتقرير «العربية» (2017)، وهو مصدر سعودي يُقرأ بحذر، رصد أن الإنجليزية انتقدت «الفصل بين الجنسين» في اليوم الوطني بينما استضافت العربية من وصف الاختلاط بما يشبه «الفجور».
ثم جاءت المصالحة في العُلا (يناير 2021)، فاختفت من نشرات العربية فقرة «انتهاكات النظام السعودي» الثابتة، وقالت الأكاديمية مضاوي الرشيد لـ«ذي إنترسبت» (نوفمبر 2023) إن الجزيرة العربية لم تستضفها منذ المصالحة، وإن الجزيرة الإنجليزية حذفت حلقة كاملة معها انتقدت فيها ولي العهد، مرجّحةً أن «السعودية اشتكت».
هذا يفسر ما رأيناه هذا الأسبوع: العربية اليوم في «وضع المصالحة»، فتغضب لمكة وتُفرد الطائف وتترجم إف-35 بلا سياق؛ والإنجليزية بقيت على أطرها المهنية الغربية التي تساوي بين الطرفين وتُفرد للنفي الحوثي مساحة موازية وتُحمّل الخبر السعودي حمولة نقدية من واشنطن وتل أبيب.
🔴 الخلاصة
المكيالان موجودان لكنهما ليسا حيث ظننا:
بين النسختين اليوم، الإنجليزية أقسى على المملكة من الجزيرة العربية، لا العكس؛ عبر التسوية البنيوية بين الدولة والميليشيا («تبادل هجمات»)، ومنح النفي الحوثي منزلة الرواية الموازية، وتأطير الصفقات العسكرية بالضعف والقلق.
العربية مكيالها زمني: تتبع حرارة العلاقة بين الدوحة والرياض، والدراسات توثّق ذلك رقميًا؛ ليونتها الحالية معطى سياسي لا تحول مهني، ويمكن أن ينقلب.
المشترك بين النسختين هو الأخطر على المدى الطويل: مصطلح ثابت يرفض توصيف الحوثيين بالميليشيا أو الإرهاب، ويمنح إعلامهم مكانة المصدر.