قِيثَارةُ اَلْجَنُوبِ وَسَفِيرُ اَلْوِجْدَانِ وَالَاصَالِة اَلاَّلْمَعِية

مقال رأي

د . عبدالله محمد الحارثي

2026-10-02T10:00:00.115Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

المقال يرسم صورة للشاعر علي أحمد الزيداني بوصفه صوتًا شعريًّا صادقًا تشكّل وعيه بين طبيعة رجال ألمع وتراثها، فحملت قصائده هوية الأرض ووجدان الإنسان. ويبرز النص تميّز تجربته في المزج بين الحكمة والحنين والعاطفة بعبارات بسيطة عميقة المعنى، تجعل قصائده قريبة من المتلقي وقابلة لاكتشاف طبقات جديدة مع كل…

هناك شعراء يكتبون القصيدة، وهناك شعراء تكتب القصيدة ذواتهم؛ فيغدو الشعر عندهم أكثر من أبياتٍ موزونة وقوافٍ متناسقة، ويتحول إلى حالة شعورية كاملة، تمتزج فيها الحكمة بالعاطفة، والذاكرة بالحنين، والتجربة الإنسانية بجمال التعبير. وفي هذا المقام

يبرز اسم الشاعر علي بن أحمد الزيداني كأحد القامات  بمداد من نور وتاريخ جغرافيا عسير الملهمة، وتحديداً في محافظة رجال ألمع العريقة التي ولد ونشأ بين أحضان طبيعتها الساحرة وتراثها الحافل بالبطولة والأدب، حيث تشكّلت ملامح وعيه الأدبي، واغتذت ذائقته من نبع الأصالة، ليكون صوتاً شعرياً يحمل هوية الأرض ووجدان الإنسان بكل صدق وعفوية.

ما يميز شعر الزيداني أن قصيدته لا تقف عند حدود المعنى الظاهر، بل تفتح أمام القارئ أبوابًا واسعة للتأمل. فهو شاعر يعرف كيف يصوغ الحكمة دون أن يجعلها ثقيلة، وكيف يستدعي الحنين دون أن يقع في الابتذال، وكيف يمنح العاطفة حضورها دون أن يفقد القصيدة تماسكها وجزالتها. وفي أبياته تتجاور البساطة والعمق بصورة لافتة؛ فتبدو القصيدة قريبة من القلب عند سماعها الأول، ثم تكشف مع التأمل عن طبقات أخرى من المعنى. وهذه إحدى علامات الشاعر الحقيقي: أن تكون قصيدته مفهومة للسامع، عميقة في أثرها، وقابلة لأن يكتشف فيها المتلقي شيئًا جديدًا كلما عاد إليها.

ولعل أجمل ما في تجربة الزيداني أنه يكتب الإنسان قبل أن يكتب الموضوع. ففي قصائده حضور واضح للحياة بكل تقلّباتها؛ للفرح والانكسار، للوفاء والخذلان، للصحة والعافية، للزمن حين يمضي، وللذكريات حين تعود من بعيد فتوقظ في النفس ما ظن الإنسان أنه نسيه. ولذلك لا تبدو قصائده مجرد حديث عن الماضي، بل تبدو وكأنها محاولة شعرية لإنقاذ اللحظات الجميلة من النسيان. وحين يقول في قصيدته: «وقفت أتأمل الماضي على كفالزمن محتار»، فإنه لا يستدعي الماضي بوصفه زمنًا منقضيًا فحسب، وإنما يستحضر ذلك الشعور الإنساني العميق حين يقف المرء أمام عمره، يتأمل ما مضى، ويتساءل كيف عبرت السنوات بهذه السرعة.

أما قصيدته «وضعت في رحل هجرانك صواع الوصال .. ياسارق القلب لا تلحق مع أمسي غدي» فتكشف جانبًا آخر من براعة الزيداني في بناء الصورة الشعورية. فهو لا يحتاج إلى كثير من التعقيد كي يترك أثرًا كبيرًا؛ يكفيه أحيانًا مشهد بسيط، أو كلمة مألوفة، أو عبارة تبدو للوهلة الأولى عادية، ثم يمنحها من صدقه الشعوري ما يجعلها تحمل وزنًا إنسانيًا بالغًا. وهنا تكمن قيمة الشعر الحقيقي؛ في أن يأخذ الشاعر من اللغة كلماتها المألوفة، ثم يعيدها إلى الناس أكثر لمعانًا، وأشد قدرة على التعبير عن مشاعرهم. والزيداني يمتلك هذه الموهبة بوضوح؛ فهو لا يكتب القصيدة ليُظهر قدرته على الكتابة، وإنما يكتبها لتقول شيئًا يبقى في نفس من يسمعها.

إن علي أحمد الزيداني شاعر يمتلك أهم ما يحتاجه الشعر كي يعيش طويلًا: الصدق.فقصائده لا تستمد قيمتها من جمال القافية وحدها، ولا من جزالة المفردة فحسب، وإنما من ذلك التلاحم النادر بين الكلمة والشعور. ولهذا تجد قصيدته طريقها إلى الذاكرة بسهولة، وتجد أبياته طريقها إلى التداول، لأن المتلقي لا يشعر أنه أمام شاعر يتحدث عنه، بل أمام شاعر يتحدث بلسانه ويعبّر عن أشياء عجز هو عن صياغتها. وهذه منزلة رفيعة في الشعر؛ أن تصبح قصيدة الشاعر جزءًا من الذاكرة الجمعية لمحبيه، وأن يجد الناس في أبياته شيئًا من أنفسهم.

والزيداني في نهاية المطاف ليس مجرد شاعر يجيد نظم الأبيات، بل صاحب بصمة شعرية تستحق الاحتفاء. شاعر استطاع أن يجعل من القصيدة مساحةً للحكمة والحنين والتأمل والبوح، وأن يمنح الشعر النبطي روحًا إنسانية تتجاوز حدود المناسبة والزمان والمكان. وما أجمل أن يكون للشاعر أسلوب يعرفه المتلقي قبل أن يعرف اسمه، وأن تكون له نبرة خاصة لا تشبه سواها؛ وتلك إحدى العلامات الفارقة في التجارب الشعرية التي تمتلك قابلية البقاء.

إن الاحتفاء بالشاعر علي أحمد الزيداني هو احتفاء بالقصيدة حين تكون صادقة، وبالكلمة حين تحمل روح صاحبها، وبالشعر حين يتحول من نص يُقرأ أو يُسمع إلى أثر يسكن الذاكرة ويوقظ الشعور. وستظل قصائده، بما تحمله من عاطفة وحكمة وجمال، شاهدًا على أن الشعر لا يخلّد الشاعر لأنه قال الكثير، وإنما لأنه قال شيئًا لا يستطيع الآخرون نسيانه.