مرصد الختم الفلكي يُوثّق سديم «ثعلب النار» بعد 54 ساعة تصوير من سماء أبوظبي
نجح مرصد الختم الفلكي التابع لمركز الفلك الدولي في صحراء أبوظبي في تصوير السديم الكوكبي المعروف باسم "سديم ثعلب النار" بعد زمن تعريض إجمالي بلغ 54 ساعة و12 دقيقة باستخدام تلسكوب بقطر 14 إنش وثلاثة مرشحات ضيقة النطاق، كاشفاً تفاصيل قوس غازي لامع وذيل ممتد غير متناظر.
نجح مرصد الختم الفلكي التابع لمركز الفلك الدولي، الكائن في صحراء أبوظبي، في تصوير سديم كوكبي مميز يُعرف باسم «سديم ثعلب النار» (Firefox Nebula)، وذلك بعد جلسات تصوير تجاوزت 54 ساعة. وجاءت تسمية السديم بسبب شكله اللافت الذي يشبه شعار متصفح الإنترنت الشهير «فايرفوكس»، إذ يظهر الجزء الأكثر سطوعاً منه على هيئة قوس ملتف، فيما تمتد خلفه غازات أكثر خفوتاً تُكمل شكله المميز.
وقال مدير مركز الفلك الدولي المهندس محمد عودة إن سديم ثعلب النار يقع في مجموعة «ذات الكرسي»، على مسافة تقارب 2770 سنة ضوئية من الأرض، مشيراً إلى أنه من السدم الكوكبية القديمة والمتطورة. وأوضح أن السدم الكوكبية لا علاقة لها بالكواكب، بل تمثّل مرحلة متقدمة من حياة النجوم ذات الكتل المنخفضة والمتوسطة، ومنها النجوم القريبة في كتلتها من الشمس، إذ يفقد النجم في مراحله الأخيرة جزءاً كبيراً من طبقاته الخارجية ويقذفها إلى الفضاء، بينما يبقى في المركز قلب النجمة الساخن الذي يتطور لاحقاً ليصبح قزماً أبيض.
وأضاف عودة أن شكل السديم غير المعتاد يُعدّ من أبرز خصائصه، فهو لا يظهر كحلقة منتظمة كما هو الحال في كثير من السدم الكوكبية، بل يبدو أحد جوانبه شديد السطوع ومليئاً بالخيوط الغازية، في حين يبدو الجانب المقابل خافتاً جداً، وتمتد خلفه مادة غازية على هيئة ذيل طويل.
وبيّن أن هذا الشكل الغريب يرتبط بحركة النجم المركزي عبر الغاز الموجود بين النجوم، إذ تصطدم المادة التي قذفها النجم بالوسط بين النجمي في جهة الحركة، مما يُفضي إلى ضغط الغاز وزيادة كثافته وتكوين القوس اللامع الذي يهيمن على الصورة، فيما تنجرف أجزاء من المادة في الاتجاه المعاكس مُكوِّنةً منطقة وذيلاً أكثر خفوتاً. وتُشير نماذج حاسوبية درست شكل السديم إلى أن سرعة حركة النجم بالنسبة للوسط المحيط قد تبلغ نحو 125 كيلومتراً في الثانية.
وأشار عودة إلى أن الدراسات العميقة للسديم أظهرت وجود بنية قوسية خافتة في الجهة المقابلة للقوس اللامع تُكمل حلقة السديم، يتبعها ذيل غازي واسع وخافت للغاية، ويصل الامتداد الكلي لهذه التراكيب إلى نحو 15 دقيقة قوسية في السماء. وتُشير إحدى الدراسات التفصيلية إلى أن عمر السديم يبلغ نحو 22 ألف سنة.
وعلى صعيد التقنيات المستخدمة، جرى تصوير السديم باستخدام التلسكوب الرئيسي لمرصد الختم الفلكي بقطر 14 إنش، مزوداً بكاميرا أحادية اللون. ونظراً لخفوت السديم ووجود التلوث الضوئي في منطقة الرصد، استُخدمت ثلاثة مرشحات ضيقة النطاق تلتقط الضوء الصادر عن الهيدروجين والأكسجين والكبريت.
وبلغ إجمالي زمن التعريض للصورة النهائية 54 ساعة و12 دقيقة، ناتجة عن تجميع وتكديس 1084 صورة، مدة التعريض لكل منها ثلاث دقائق، وزُّعت على النحو الآتي: 217 صورة بمرشح الهيدروجين بإجمالي 10 ساعات و51 دقيقة، و393 صورة بمرشح الأكسجين بإجمالي 19 ساعة و39 دقيقة، و474 صورة بمرشح الكبريت بإجمالي 23 ساعة و42 دقيقة.
وتظهر في الصورة النهائية ألوان ثلاثة تعكس انبعاثات الغازات المختلفة؛ إذ يمثّل اللون الأحمر انبعاثات الهيدروجين، والأزرق انبعاثات الأكسجين، والبرتقالي انبعاثات الكبريت. ويُساعد فصل هذه الانبعاثات على إظهار اختلاف توزيع الغازات داخل السديم، ويُبرز بصورة أوضح الخيوط والقوس اللامع والتراكيب الخافتة المحيطة به.
ويُعدّ سديم ثعلب النار نموذجاً واضحاً على أن شكل السديم لا تحدده المادة التي يقذفها النجم وحدها، بل إن البيئة المحيطة وحركة النجم عبر الفضاء تُسهمان في تشكيل هذه المادة بصورة كبيرة، لينتج في النهاية الشكل غير المتناظر والمميز الذي تكشفه الصورة.
وضمّ فريق العمل في التصوير محمد عودة، فيما تولّى هيثم حمدي معالجة الصورة، بمشاركة فريق المرصد: أسامة غنام، وأنس محمد، وخلفان النعيمي.