هل ستتأثر السعودية بقرار فرض رسوم على واردات الحديد والألمنيوم للسوق الأمريكية؟ .. هنا الإجابة
أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع شهر مارس الجاري، بفرض رسوم حمائية على واردات السوق الأمريكية من منتجات الحديد بنسبة 25 % والألمنيوم بنسبة 10 % حفيظة بعض الدول، وغضب دول أخرى، على رأسها البرازيل، وكوريا الجنوبية، واليابان، والاتحاد الأوروبي، وأستراليا، والصين الشعبية، وتركيا ودول أخرى، فيما استثنى القرار كلاً من كندا والمكسيك فقط.
ومن اللافت أن ترامب لم يلجأ إلى القنوات الدولية المشروعة لمكافحة الإغراق والمنصوص عليها في منظمة التجارة العالمية وتسري على جميع الأعضاء، بل استخدم مادة في الدستور الأمريكي خاصة بالحفاظ على "الأمن القومي" كمبرر لفرض رسوم الحماية، بحجة أن تهديد صناعة الحديد الوطنية الأمريكية يعد بمثابة تهديد للأمن القومي الأمريكي.
وستكون الدول الأكثر تأثرًا وتضررًا من القرار تلك التي تتمتع بفوائض إنتاج من الحديد والصلب كالبرازيل، والصين الشعبية، والهند، وكوريا الجنوبية، واليابان، وتركيا وروسيا، وأوكرانيا، وفيتنام ودول أخرى؛ وهم الذين اعتادوا أن يصدروا للولايات المتحدة الكثير من فوائض إنتاجهم، وهذه الدول من المتوقع أن تلجأ إلى قانون فض المنازعات التجارية في منظمة التجارة العالمية لرفض القرار والدفع لإلغائه، وهو ما فعلته دول سابقًا على زمن بوش الابن حين قرر فرض رسوم على واردات الصلب، واضطر إلى إلغائه بعد ثمانية عشر شهرًا من تطبيقه.
وعن مدى تأثير القرار تحديدًا على صادرات المملكة العربية السعودية من منتجات الحديد والألمنيوم للولايات الأمريكية المتحدة، فإن بعضهم قد يرى أن قرار الرئيس الأمريكي ترامب ليس من المتوقع أن يكون له تأثير سلبي ذو أهمية على الصادرات السعودية بسبب محدودية هذه الصادرات في الوقت الحاضر التي بلغت ما يقارب 150 ألف طن عام 2017م، خاصة من أنابيب الحديد غير الملحومة ومسطحات الحديد المجلفنة والملونة، وهي منتجات يحظى بعضها بفائض إنتاج محلي كبير. لكن تمشيًا مع رؤية المملكة 2030 وتشجيع الصادرات، فإن المصانع السعودية تراهن على تطوير تصدير كميات أكبر من هذه المنتجات للسوق الأمريكية التي كانت تتمتع بأسعار عادلة إذا ما قورنت مع بقية أسواق العالم الأخرى المُغرَقة بالواردات، وتحديدًا بسبب صادرات دول شرق آسيا مثل الصين، كوريا الجنوبية، تايوان، وفيتنام، كذلك بعض الدول الأخرى مثل الهند، البرازيل، روسيا، أوكرانيا، وتركيا التي حدّت صادراتها من قدرة مصانع الحديد السعودية على التصدير.
وفي مجال منتجات الألمنيوم، فإن حجم التأثير من المتوقع أن يكون كبيرًا حال اكتمال تطور طاقة إنتاج الألمنيوم في المملكة الذي خُطّط لها لتكون الأكبر على مستوى المنطقة، والتي بدورها وضعت في حساباتها الرهان على التصدير للسوق الأمريكية التي تستورد أكثر من 90 % من احتياجها من منتجات الألمنيوم والتي تقدر بحدود 5.8 مليون طن سنويًا.
من جانب آخر أفاد المهندس رائد العجاجي، رئيس اللجنة الوطنية لصناعة الحديد الوطنية - المنبثقة عن مجلس الغرف السعودية - بأن مخاوف صناعة الحديد السعودية الحقيقية من هذا القرار تكمن في أن الدول التي اعتادت تصدير جزء كبير من فوائض إنتاجها للسوق الأمريكية، ولكونها ستكون الأكثر تضررًا حيث ستتقلص قدراتهم التصديرية بشكل لن يكون مقبولاً لهم، فإنهم سيبحثون فورًا عن أسواق بديلة لتصدير فوائض إنتاجهم، ولتعويض عجز التصدير للسوق الأمريكية.
وتتخوف الشركات الصناعية السعودية العاملة في مجال الحديد والصلب، من أن هذه الدول ستستهدف الأسواق التي تفتقد إلى تطبيقات الحماية، إضافة إلى انخفاض الرسوم الجمركية فيها، ومن المؤكد أن تجد هذه الدول ضالتها في أسواق منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا منطقة الخليج، وستكون السوق السعودية الأكثر استهدافًا لكونها الأكبر في المنطقة من جانب، ولكونها تفتقد بشكل لافت إلى أي إجراءات أو تطبيقات حمائية، مما يجعلها سوقًا خصبة ومغرية للإغراق من قِبل الدول التي لن تكل حتى تجد منافذ بديلة لتصدير فوائض إنتاجها.
وقال "العجاجي"، إن تقريرًا صدر عن مركز أبحاث السیاسات الاقتصادیة بلندن في شھر یونیو2016م، أشار إلى أن أقل دول العشرین تطبیقًا لقوانین الحمایة المشروعة ھي المملكة العربیة السعودیة، حیث لم تقم بفرض أي رسوم حمائیة ضد أي واردات منذ انضمامھا لمنظمة التجارة العالمیة في حین أنھا تلقّت قضایا عدیدة موجھة ضدھا. وإن التأخير والتباطؤ في اتخاذ إجراءات الوقاية التي من شأنها أن تعمل على حماية صناعاتنا ومنتجاتنا الوطنية من الإغراق والممارسات الضارة في التجارة الدولية، أصبح يشكل تهديدًا حقيقيًا لصناعاتنا الوطنية التي ستكون مرشحة للتساقط واحدة تلو الأخرى، وهو ما يتطلب اتخاذ إجراءات وتدابير وقائية سريعة، تحمي صناعاتنا ومنتجاتنا الوطنية من المنافسة غير العادلة، وذلك عبر تفعيل الأدوات المتاحة من الجهة المعنية بتمثيل مصالح المملكة في منظمة التجارة العالمية.
وأشار "العجاجي" إلى أن أسواق المملكة شهدت خلال السنوات الأخيرة ممارسات إغراق في منتجات عديدة، وعلى رأسها منتجات الحديد والصلب التي عانت صناعاتها أيما معاناة، ولكونها صناعة إستراتيجية يعوّل عليها كثيرًا للمساهمة في تحقيق رؤية المملكة 2030، فهي تحتاج فعلاً إلى اتخاذ إجراءات حازمة وفورية لحمايتها من المنافسة غير العادلة، إلا أن التعامل ملف مكافحة الإغراق والممارسات الضارة في التجارة الدولية لا يزال بطيئًا، ولا يرتقي إلى مستوى التحديات التي من شأنها أن تهدد بقاء ومستقبل الصناعات الإستراتيجية خصوصًا، والصناعات السعودية عمومًا.
وضرب العجاجي مثلاً فقال: إن تجربة شركة سعودية في أول قضية تم رفعها على مستوى الخليج في مارس 2016م بموجب قوانين منظمة التجارة العالمية والقانون الخليجي الموحد لمكافحة الإغراق، للوقاية من الزيادة في واردات مسطحات الحديد الملونة، كانت تجربة مريرة بكل المقاييس على الرغم من عدالتها. فقد ازدادت الواردات من هذا المنتج بشكل حاد وكبير وغير مبرر في السنوات الأخيرة، فوصلت إلى ما يزيد على 180 ألف طن سنويًا، في حين أن حجم استهلاك السوق بحدود 230 ألف طن سنويًا، علمًا بأن الطاقات الإنتاجية المحلية تبلغ 380 ألف طن سنويًا. وقد سيطرت الواردات على نحو 80 % من حجم استهلاك السوق على الرغم من وجود فائض في الإنتاج المحلي يزيد على 65 %، مما تسبب في انخفاض نسبة التشغيل في المصانع السعودية إلى 22 % من أصل الطاقة الإنتاجية المتاحة، وهي حالة أقل ما توصف بالكارثية.
وعلى الرغم من انتهاء التحقيق في قضية الوقاية ضد واردات مسطحات الحديد الملونة، وصدور التقرير النهائي من سلطة التحقيق الذي أقرّ بوقوع ضرر جسيم على الصناعة الوطنية، وحيث أوصى التقرير في إبريل 2017م بفرض رسوم وقائية لحماية الصناعة الوطنية، إلا أن القرار بقي عالقًا من دون تطبيق حتى اللحظة، وهي حالة فريدة لم تحدث في أي مكان في العالم، فمن المعروف أنه بمجرد انتهاء التحقيق والتوصية بفرض رسوم، فإنه يتم تطبيق القرار في غضون أيام معدودة، إلا عندنا، لا يزال تطبيق توصية سلطة التحقيق في أول قضية وقاية على مستوى الخليج يعيش "مخاض" غير مبرر منذ ما يقارب سنة.
وأكد عبدالعزيز بن شاهين الدوسري، مدير وحدة أنابيب الحديد المنبثقة عن اللجنة الوطنية لصناعة الحديد، أن صناعة الأنابيب غير الملحومة شهدت، ولا تزال، معاناة شديدة بسبب الإغراق تسببت في انخفاض نسبة الإشغال إلى حدود لا يمكن تحمّلها، عوضًا عن أن الطاقة الإنتاجية فيها فائض يزيد على 30 % عن حاجة السوق المحلية. وتطالب المصانع الوطنية باتخاذ إجراء حمائي جزئي برفع نسبة الرسوم الجمركية من 5 % إلى الحد الأقصى المسموح باتفاقية انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية البالغ 15 %، وهو أقل ما يمكن عمله لمساعدة هذه الصناعة الوطنية على الصمود الجزئي أمام فرط الواردات، علمًا بأن صناعة الأنابيب غير الملحومة اضطرت أخيرًا إلى اللجوء إلى رفع قضية إغراق ضد مصدّرين أغرقوا السوق السعودية بمنتجاتهم. وحيث إن قضايا الوقاية والإغراق تأخذ وقتًا طويلاً للوصول إلى قرار نهائي، فإن صمود الصناعات الوطنية المتضررة يتوقف حتمًا على تقديم الدعم اللازم لها من الجهات المسؤولة بالقدر المطلوب، وضمن الوقت اللازم.
وحول وضع صناعة حديد التسليح الوطنية، أفاد نائب رئيس اللجنة الوطنية لصناعة الحديد، عبدالعزيز الهديب، بأن وضع صناعة حديد التسليح الوطنية شهدت معاناة كبيرة على مدى السنوات الأخيرة، أدت إلى تخفيض عمليات التشغيل في أغلبها إلى ما دون 50 %، ويعود ذلك إلى توفر طاقات إنتاجية محلية تبلغ 12.5 مليون طن، في حين أن حجم الطلب انخفض إلى حدود 6.3 مليون طن فقط، مع استمرار دخول واردات بشكل لافت، مما عقّد المشهد وزاد من صعوبة الموقف.
وأفاد الهديب بأن صناعة حديد التسليح الوطنية تحتاج إلى إجراءات وقائية عاجلة لحمايتها من ظروفها الصعبة التي قد تصل ببعضها إلى حد الانهيار. وقال الهديب إن إجراءات الحماية المأمولة تكمن أولها في الإسراع برفع الرسوم الجمركية على قضبان حديد التسليح من 5 % إلى 15 % والحد الأقصى المتاح باتفاقية المملكة مع منظمة التجارة العالمية، ورفعها على لفات حديد التسليح من 5 % إلى الحد المتاح البالغ 20 %. وثاني الإجراءات المأمولة هو القيام بحملات تفتيشية فاعلة على المصانع الصغيرة التي تقوم بتصنيع حديد تسليح لا يطابق المواصفات الوطنية، ويتسبب في فرض منافسة غير عادلة مع المصانع الوطنية الملتزمة.
وعزا العجاجي أن معاناة صناعة الحديد الوطنية خصوصًا، والصناعات الأخرى عمومًا، تتطلب تحركًا عاجلاً من الجهات المعنية لتقديم الدعم اللازم لقضايا الإغراق والوقاية التي قامت بها مصانع وطنية متضررة، وهي القضايا التي أصبحت الشغل الشاغل للعالم كله، بدليل أن صناعة الحديد أصبحت البند الوحيد الذي يُدرج على أجندات اجتماعات دول العشرين الدورية، وأن تقريرًا صدر عن منظمة التجارة العالمية في فترة سابقة أشار إلى أن 8 من أصل كل 10 قضايا إغراق ووقاية هي قضايا تتعلق بمنتجات الحديد.
وأنهى العجاجي قائلاً إنه وعلى الرغم من الإغراق الحالي الذي تشهده صناعة الحديد الوطنية السعودية، والمعاناة الكبيرة التي تعانيها من جرّاء المنافسة غير العادلة، إلا أنه على ما يبدو أن طوفانًا جديدًا مرعبًا من الإغراق لمنتجات الحديد سيصل أسواقنا قريبًا، وذلك كنتيجة حتمية لقرار الرئيس الأمريكي ترامب، الذي لم يتحرّج حين قرر اعتبار صناعة الحديد الوطنية الأمريكية بمثابة خط أحمر، وأن المساس بها يمس الأمن القومي الأمريكي.
وأكد العجاجي أن صناعاتنا الوطنية الإستراتيجية تشكل لنا أيضًا أمنًا قوميًا كما هو للآخرين، وأصبح حمايتها واجبًا وطنيًا لا مفرّ منه، ولا يحتمل التأخير. وفيما تساءل العجاجي: هل يمكن لرؤية المملكة 2030 حماية الصناعة السعودية؟ عبّر عن تفاؤله بأن الجهات المسؤولة المعنية بدأت أخيرًا تتنبه لحجم مخاطر الإغراق على الصناعة الوطنية، وتمنى ألا يطول وقت اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية الصناعة الوطنية، وهي التي يعوَّل عليها الكثير لدفع عجلة التنمية الاقتصادية، وتحقيق تنويع مصادر الدخل الذي تهدف إليه الرؤية أساسًا.
وفي سياق متصل، قال السفير الفخري للصناعة السعودية، المهندس جاسم الشمري، إن قرار الرئيس الأمريكي ترامب استند في قرار الرسوم الجمركية إلى واردات الحديد والصلب على بند قانون تجاري نادر الاستخدام صدر عام 1962 يعطي الرئيس سلطة فرض مثل تلك الرسوم وفي إبريل 2017، بدأت وزارة التجارة الأمريكية تحقيقًا حول ما إذا كانت واردات الصلب والألمنيوم قد "أضعفت الأمن القومي" للبلاد، وخلصت في أوائل 2018 إلى أنها بالفعل تسببت في ذلك، ما فتح الباب أمام ترامب لتطبيق الرسوم كما يراها مناسبة، برأيي الشخصي أن استخدام حجة حماية الأمن القومي لفرض رسوم حمائية قد يمكن أن يقوض إطار عمل القواعد التجارية العالمية التي شيدت بشق الأنفس بعد الحرب العالمية الثانية وقد يفتح الباب أمام بلدان أخرى باستخدام ذريعة الأمن القومي لاستثناءات مماثلة حيث القطاع الصناعي يمر بمتغيرات عالمية في جميع الدول وهذا بدوره، يمكن أن يخفف الضغط على الصين في منظمة التجارة العالمية، فإذا أصبح الأمن القومي مبررًا مقبولاً لسياسات الحماية التجارية، يمكن لبكين زيادة ممارساتها التمييزية وزيادة حظر الواردات والاستثمارات الأمريكية.
يُذكر أن اللجنة الوطنية لصناعة الحديد قد تشكلت حديثًا لتمثيل دورتها الثانية لمدة 3 سنوات كلجنة وطنية إستراتيجية تُعنى بقطاع صناعة الحديد الوطنية، وهي تعمل بشكل مكثف وضاغط لدعم وتطوير صناعة الحديد، والارتقاء بها إلى المستوى الذي تستحقه مكانة المملكة، ولتعكس حضورًا للمملكة يتناسب مع كونها العضو الوحيد من المنطقة في دول العشرين. وقد دشنت اللجنة أخيرًا موقعها الإلكتروني الجديد www.ncsi.org.sa ضمن إطار برنامج عملها الواعد.



