أبعد من السعودية.. كيف يدفع العالم فاتورة تعطل خط «شرق - غرب»؟
تسبّب تعطل خط أنابيب شرق–غرب السعودي «بترولاين» في اضطراب سريع بسوق النفط العالمية، مع إلغاء وتأجيل شحنات من ميناء ينبع وارتفاع حاد في أسعار الخامات الفعلية في أوروبا تجاوز 130 دولارًا للبرميل، وسط بحث عاجل من المصافي عن بدائل. الخط، الذي تصل طاقته إلى 7 ملايين برميل يوميًا، يعدّ مسارًا محوريًا للال…
لم يحتج سوق النفط العالمي إلى وقت طويل حتى يشعر بتداعيات توقف خط أنابيب شرق–غرب السعودي «بترولاين». فما بدا في البداية تعطلاً في مسار لنقل الخام داخل المملكة، سرعان ما انعكس على أسعار الشحنات الفعلية في أوروبا، ودفع مشترين إلى البحث العاجل عن إمدادات بديلة، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا أكثر اتساعًا: ماذا يحدث لأسواق الطاقة عندما يتعطل أحد أهم المسارات التي يعتمد عليها العالم للالتفاف على نقاط الاختناق البحرية؟
الخط الممتد عبر المملكة من مناطق الإنتاج في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر ليس مجرد قناة لنقل النفط السعودي. قدرته التي تصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا جعلته خلال اضطرابات 2026 أحد أهم صمامات الأمان لسوق الطاقة، إذ يسمح بتحريك الخام إلى البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز. وكانت نحو مليوني برميل يوميًا من طاقته مخصصة لتغذية مصافي الساحل الغربي، مع إمكانية توجيه قرابة 5 ملايين برميل يوميًا إلى التصدير، وفق تصريحات سابقة للرئيس التنفيذي لأرامكو.
الصدمة تنتقل سريعًا
لهذا لم تتوقف آثار تعطل الخط عند حدود المملكة. فمع تعليق التحميلات من ينبع، أُبلغ بعض العملاء الأوروبيين بإلغاء شحنات مقررة للتحميل في أواخر سبتمبر، بينما تلقى مشترٍ آسيوي إخطارًا بتأجيل شحناته وإعادة جدولتها. وفجأة، أصبح على المصافي التي بنت برامج تشغيلها على وصول الخام السعودي أن تبحث عن براميل بديلة في سوق تعاني بالفعل من اضطراب طرق الإمداد.
النتيجة ظهرت سريعًا في السوق الفعلية. بعض شحنات النفط في أوروبا تجاوز سعرها 130 دولارًا للبرميل في 15 سبتمبر، وقفز خام «فورتيز» من بحر الشمال إلى نحو 136.75 دولارًا للبرميل، مع اندفاع المشترين نحو الخامات التي يمكنها تعويض الإمدادات المتأثرة. وهنا تتضح الكلفة العالمية للتوقف: كل برميل يتعذر نقله عبر مسار معتاد يرفع المنافسة على البراميل المتاحة في مناطق أخرى، ويزيد علاوات الأسعار وكلفة تأمين الإمدادات.
المشترون يبحثون عن البدائل
شركة «أورلن» البولندية تقدم مثالًا واضحًا على اتساع دائرة التأثير. الشركة، التي تحصل على نحو 40% من الخام الذي تحتاجه من أرامكو، تحركت لشراء 16 شحنة إضافية لضمان تشغيل مصافيها في بولندا وليتوانيا والتشيك حتى أكتوبر، ولجأت إلى مصادر تشمل النرويج وبريطانيا والجزائر وكازاخستان وأذربيجان والأميركتين.
هذا التحرك لا يعني اختفاء النفط من السوق العالمية بقدر ما يكشف ارتفاع تكلفة إعادة ترتيب خريطة الإمدادات. فكلما اضطر مشترٍ أوروبي إلى منافسة مشترين آخرين على نفط بحر الشمال أو أفريقيا أو الأميركتين، امتدت آثار التعطل إلى مناطق لم تكن طرفًا مباشرًا في الأزمة.
وبالتالي، فإن الخطر الأكبر بالنسبة للأسواق ليس فقط فقدان كمية محددة من الخام، وإنما تقلص مرونة النظام النفطي العالمي؛ أي قدرته على تحريك ملايين البراميل بسرعة من مكان إلى آخر عند حدوث أزمة.
أرامكو تفتح مسارات جديدة
في المقابل، أظهرت التحركات السعودية أن المملكة لا تعتمد على خيار لوجستي واحد. فمع تعطل خط شرق–غرب، زادت تحميلات الخام من رأسي تنورة والجعيمة داخل الخليج إلى ما يعادل نحو 4 ملايين برميل يوميًا، بحسب بيانات تتبع نقلتها رويترز، كما طرحت أرامكو خامات «العربي الخفيف» و«العربي المتوسط» و«العربي الثقيل» لمشترين آسيويين عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة ميناء صحار في عُمان، خارج مضيق هرمز.
وأثبت تأثير هذه الخطوات أهميتها سريعًا. فبعد موجة الصعود التي صاحبت المخاوف من نقص الإمدادات، تراجع خام برنت بنسبة 2.7% ليستقر عند 105.83 دولارات للبرميل، مع تلقي السوق إشارات بأن تدفقات إضافية يجري توفيرها عبر عُمان. أي أن مجرد قدرة السعودية على ابتكار مسار بديل كانت كافية لتخفيف جانب من مخاوف المتعاملين.
ومع استمرار القيود على الملاحة في مضيق هرمز، أصبح مسار شرق–غرب أكثر أهمية مما كان عليه في الظروف العادية. وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن الشحنات التي تمكن منتجو الخليج من تمريرها عبر الممرات البحرية المضطربة بلغت نحو 7 إلى 9 ملايين برميل يوميًا، بما يعادل 30% إلى 40% فقط من المستويات السابقة للأزمة.
لذلك فإن توقف مسار يمكنه نقل ملايين البراميل يوميًا إلى البحر الأحمر لا يمثل مشكلة محلية منفصلة، بل يقلص هامش الأمان المتاح أمام سوق عالمية تستهلك أكثر من 100 مليون برميل يوميًا وتعتمد على شبكة معقدة من الأنابيب والموانئ والناقلات والمضائق.
رسالة أبعد من الأزمة الحالية
وربما تكشف الأزمة أيضًا لماذا كانت السعودية تدرس بالفعل، قبل التعطل الأخير، زيادة قدرة خط شرق–غرب بما يصل إلى مليوني برميل يوميًا، إذ بحسب مصادر تحدثت لرويترز في يوليو الماضي، فالحديث لم يكن متعلقًا فقط بإضافة طاقة تصديرية للمملكة؛ بل بإمكانية توفير مسار أكبر لنفط دول خليجية أخرى تبحث هي أيضًا عن بدائل لمضيق هرمز.
ومن هذه الزاوية، فإن عودة «بترولاين» للعمل ليست شأنًا سعوديًا فحسب، بالنسبة للمستوردين في آسيا وأوروبا، كل مليون برميل يستطيع الخط نقلها إلى البحر الأحمر يعني مرونة إضافية، ومنافسة أقل حدة على الشحنات البديلة، وضغوطًا أقل على تكاليف النقل والتأمين والأسعار.