تريديه رجلاً.. اجعله مسؤولاً

مقال رأي

د . عبدالله محمد الحارثي

2026-10-09T10:00:00.153Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

المقال يوضح أنّ الرجولة ليست عمراً ولا مظهراً، بل هي تحمّل للمسؤولية ووعي بتبعات القرارات، وأن شاباً صغيراً قد يكون أنضج من رجل كبير إذا بادر إلى تحمّل واجباته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه. ويحذّر من الحماية الزائدة وتأجيل تحميل الأبناء المسؤولية؛ لأن ذلك يؤخر نضجهم ويجعلهم يدخلون الحياة والزواج والعمل…

ليست الرجولة تاريخاً يُكتب في شهادة الميلاد، ولا ملامحَ تكتمل في الوجه حين يبلغ الإنسان سناً معينة؛ الرجولة في جوهرها موقفٌ ومسؤولية. فقد يبلغ الإنسان الثلاثين أو الأربعين، وربما يتجاوز ذلك، بينما لا يزال يعيش بعقلية من ينتظر أن يتولى الآخرون شؤون حياته، ويتجنب تبعات قراراته، ويبحث دائماً عمن يدفع عنه ثمن أخطائه. وفي المقابل، قد تجد شاباً صغير السن، لكنه يحمل من المسؤولية ما يجعله أكثر نضجاً من رجال سبقوه في العمر؛ لأنه تعلّم مبكراً أن للحياة أثماناً، وأن الإنسان لا يصبح كبيراً بمجرد أن يكبر جسده، وإنما حين يصبح قادراً على حمل ما يترتب على وجوده من واجبات.

المسؤولية هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الرجولة والنضج. فمن يتحمل مسؤولية نفسه، ويتحمل نتائج قراراته، ويقوم بواجباته تجاه أسرته وعمله ومجتمعه، يبدأ في بناء شخصيته الحقيقية. أما الذي اعتاد أن يجد من يحل مشكلاته، ويبرر أخطاءه، ويمنحه المال، ويتخذ عنه القرارات، ويحميه من نتائج أفعاله، فقد يُحرم من أهم تجارب النمو النفسي؛ لأن الحماية المفرطة قد تُبقي الإنسان كبيراً في العمر، صغيراً في القدرة على مواجهة الحياة. ولذلك فإن بعض الآباء، من حيث لا يشعرون، لا يربّون أبناءهم على القوة حين يرفعون عنهم كل مسؤولية، بل يؤجلون لحظة نضجهم.

وحين تتأخر المسؤولية، تتأخر معها أشياء كثيرة: الاستقلال، والقرار، والالتزام، والقدرة على التضحية، والشعور بقيمة الآخرين. فالإنسان الذي لم يتعلم أن وراء كل حق واجباً، وأن وراء كل اختيار نتيجة، قد يدخل الزواج مثلاً بعقلية المستفيد لا الشريك، ويدخل الأسرة باحثاً عمن يخدمه لا عمن يسندهم، ويدخل العمل منتظراً ما سيحصل عليه قبل أن يسأل عما يستطيع أن يقدمه. وهنا لا تكون المشكلة في نقص المال أو قلة الفرص، بل في تأخر الانتقال النفسي من مرحلة «ماذا سيقدم لي الآخرون؟» إلى مرحلة «ماذا أستطيع أن أقدم للآخرين؟».

الرجولة الحقيقية تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن الهروب من واجباته، ويصبح وجوده مصدر أمان لمن حوله. أن تكون رجلاً يعني أن تكون كلمتك ذات وزن، ووعدك له قيمة، وحضورك في الأزمات مختلفاً عن حضورك في أوقات الراحة؛ أن تعرف متى تصمت، ومتى تعتذر، ومتى تتحمل، ومتى تتقدم الصفوف، وأن تدرك أن القوة ليست في السيطرة على الآخرين، وإنما في السيطرة على نزوات النفس وتحمل تبعات القرار. ولهذا يمكن القول: كلما أسرع الإنسان إلى المسؤولية، أسرع إلى النضج؛ وكلما ظل يؤجلها، ظل جزءٌ من طفولته معلقاً به مهما طال عمره. فالرجولة ليست أن تكبر في السن، بل أن تكبر في المسؤولية.