أكثر من مجرد تغيير في الهوية.. ماذا يعني إطلاق TrendAI في السعودية؟

صحيفة سبق

2026-07-30T11:41:13.138Z

أعلنت المملكة عام 2026 "عام الذكاء الاصطناعي" في خطوة استراتيجية تعكس رهانها على مساهمة هذه التقنية بنحو 135.2 مليار دولار، أي 12.4 % من الناتج المحلي بحلول 2030، بالتوازي مع إصدار "سدايا" إرشادات وطنية لتوحيد نشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. وفي هذا السياق، أطلقت "تريند مايكرو" هويتها الجديدة لو…

لم يكن إعلان المملكة العربية السعودية عام 2026 بأنه "عام الذكاء الاصطناعي" مجرد محطة عابرة في رحلتها نحو بناء اقتصاد متقدم قائم على البيانات والتقنيات الحديثة، وإنما نقطة تحول استراتيجية تعكس المكانة المتنامية لهذا القطاع ضمن خططها المستقبلية، وتتوافق مع ما تُشير إليه التقديرات من أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم بنحو 135.2 مليار دولار في الاقتصاد الوطني السعودي، أي ما يعادل 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. وفي سياق لا يقل أهمية، لم يكن الإعلان الرسمي عن إطلاق الهوية الجديدة لوحدة أعمال الأمن السيبراني المؤسسي التابعة لشركة "تريند مايكرو" تحت اسم "تريند إيه آي" (TrendAI) مجرد تغيير في الاسم أو الشكل المؤسسي. فقد حملت هذه الخطوة سؤالًا محوريًا، خاصة أن السوق السعودية تعد واحدة من أهم أسواق المنطقة. والسؤال هو: هل تمثل الهوية الجديدة بداية التزام حقيقي وطويل الأمد تجاه السوق واحتياجاتها المتنامية، أم مجرد محاولة للاستفادة من لحظة زخم عابرة؟

وسنى بن قاسم، المديرة العامة لشركة TrendAI في المملكة، تجيب عن هذا السؤال بأن الأمر أبعد بكثير من مجرد واجهة تسويقية جديدة؛ إنما هو نموذج تشغيل متكامل يهدف إلى مساعدة المؤسسات السعودية والجهات الحكومية على تبني الذكاء الاصطناعي بثقة، وتحكم فعلي، وقد يكون العنصر الأهم في هذا النموذج أنه يستند إلى التزام مخصص تجاه السوق السعودية، تقوده إدارة محلية قادرة على فهم احتياجاتها، وليس مكتبًا تمثيليًا يكتفي بتنفيذ توجيهات تأتيه من الخارج. وما يمنح هذا الإعلان ثقلًا عمليًا هو الإمكانات العالمية التي تقف خلفه؛ فوجود أكثر من 6,000 خبير يعملون في 75 دولة يمنح المؤسسات السعودية، بحسب بن قاسم، إمكانية الاستفادة منذ اليوم الأول من معلومات عن التهديدات مستمدة من خبرات عالمية واسعة، مع مراعاة متطلباتها الخاصة المتعلقة بالتحكم في بيئاتها الرقمية وحوكمتها.

توقيت لا يمكن أن يكون صدفة

وحين تُخصص دولة عاماً كاملاً لتقنية واحدة، فإن الرسالة تتجاوز الرمزية: إنها إعلان بأن التبني لم يعد قراراً فردياً متروكاً لكل مؤسسة على حدة، بل مساراً وطنياً موحّداً. وهذا بالضبط ما حدث في مارس 2026، حين أصدرت هيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) إرشادات وطنية لتوحيد نشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بتوجيه مباشر من مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان. ووفقا لرؤية بن قاسم لدلالة التوقيت، فإن دخول الشركة إلى السوق السعودية ليس محاولة للحاق بركب متسارع، بل تزامناً مقصوداً معه. معبرة عن ذلك بقولها «هذا بالضبط ما جعل توقيت إطلاقنا يأتي في اللحظة الأنسب»، مضيفة أن الشركة تريد أن تكون جزءاً من تسارع التبني الوطني نفسه، لا أن تصل إليه متأخرة.

الفجوة التي لا تكشفها أرقام الاستخدام

ومع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، تظهر فجوة لا تحظى بالاهتمام الكافي، تتمثل في اتساع المسافة بين سرعة توظيف هذه التقنيات وقدرة المؤسسات على حوكمتها وحمايتها. فقد كشفت دراسة عالمية أجرتها TrendAI، وشملت 3,700 من صناع القرار، أن 67% منهم يشعرون بضغوط للموافقة على استخدام هذه التقنيات رغم مخاوف أمنية حقيقية لديهم، بينما يرى 57% أن وتيرة تطورها تتجاوز قدرة مؤسساتهم على حمايتها ووضع الضوابط اللازمة لها. وهي أرقام تكشف أن العديد من المؤسسات تمضي في استخدام الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من قدرتها على إدارة مخاطره.

ويزداد هذا التحدي تعقيدًا مع ظهور الذكاء الاصطناعي الوكيل؛ إذ رصدت أبحاث TrendAI نحو 6,000 ثغرة أمنية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ارتبطت 363 حالة منها تحديدًا بعيوب في الضوابط المنظمة لعمل الوكلاء الذاتيين وحدود المهام التي ينفذونها، وهي فئة جديدة نسبيًا من المخاطر لم تعتد عليها كثير من فرق الأمن التقليدية بعد. وعلى المستوى الإقليمي، سجل تقرير رصد التهديدات لعام 2025 ارتفاعًا ملحوظًا في هجمات برامج الفدية التي استهدفت جهات سعودية، إلى جانب تزايد أنشطة تسريب البيانات في قطاعات حكومية ومالية وصحية. وتختصر بن قاسم المشهد بجملة واحدة: «التحدي الأبرز أمام المؤسسات السعودية اليوم هو مواكبة الحوكمة والضبط لوتيرة التبني نفسها»، وليس الاكتفاء بتعزيز الدفاعات التقليدية وحدها.

المعرفة أولاً، ثم التحكّم

رغم هذه التحديات، تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر IMD للأمن السيبراني، والأولى أيضاً في حماية تطبيقات الذكاء الاصطناعي وخصوصية البيانات والتشفير بحسب مؤشر Stanford HAI لعام 2026. وهي مفارقة ظاهرها التناقض، لكن بن قاسم ترى فيها نموذجاً يمكن للمؤسسات الفردية أن تحتذي به: الطموح والأمن ليسا خصمين، بل يسيران معاً حين تُبنى الأولويات بالترتيب الصحيح.

والترتيب الصحيح، كما تصفه، يبدأ من حيث بدأت المملكة نفسها: بالمعرفة قبل التحكّم. فلا يمكن لأي مؤسسة أن تحمي ما لا تراه؛ لذا فالخطوة الأولى هي حصر دقيق لكل نموذج وأداة ذكاء اصطناعي تعمل داخل بيئتها، بما في ذلك تلك التي تُستخدم من دون علم رسمي من الإدارة — وهي حالة أكثر شيوعاً مما يُعتقد. أما الخطوة الثانية فهي أن يكون الأمن جزءاً أصيلاً من بناء المنظومة منذ اليوم الأول، لا إجراءً يُضاف بعد اتخاذ القرارات الكبرى. «الضوابط الصحيحة لا تُبطئ تبني الذكاء الاصطناعي»، تقول بن قاسم، بل هي ما يمنح مجالس الإدارة الثقة الكافية للتوسع فيه بدلاً من أن يبقى حبيس التجارب الأولية المحدودة.