أثلاث الحياة الضائعة: لماذا تأبى الأقدار أن تمنحنا كل شيء؟

مقال رأي

د . عبدالله محمد الحارثي

2026-07-31T11:00:00.111Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يركّز المقال على جدلية توزيع ثلاثة عناصر أساسية في حياة الإنسان: الوقت، والمال، والصحة، موضحاً أن اجتماعها الكامل في مرحلة واحدة يكاد يكون مستحيلاً، وأن هذا النقص المقصود هو ما يدفع الإنسان إلى السعي والعمل والتطور. ويؤكد أن حكمة هذا التوزيع تكمن في تحقيق توازن وجودي يمنع طغيان الإنسان، ويعلّمه الرض…

الحياة معادلة صعبة يتقاطع فيها الوفر والندرة، وتتوزع عطاياها بتقدير حكيم يحفظ للإنسان توازنه كي لا يطغى، وكأن الأقدار قد وضعت حواجز منيعة بين ثلاثة أثقال لا تكاد تجتمع في يد امرئ واحد: الوقت، والمال، والصحة.

ففي ريعان الشباب وعنفوان الصحة، يمتلك الإنسان طاقة جارفة وقتاً ممتداً، لكن خزانة أيامه تخلو من المال الذي يكفي لتحقيق الطموحات، فيكون الوقت رهيناً للعجز المادي.

وحين يدور عجاب الزمن ويسعى الإنسان جاداً ليكدس المال ويبلغ مرتبة من اليسر والثراء، يكون قد استهلك زهرة شبابه وأفلت زمام الصحة من يديه، لتصبح عافيته ثمناً لما جناه، فلا طعم للمال بلا صحة تقيه وتستمتع به.

هذا التنافر الأزلي بين أركان السعادة الثلاثة ليس مجرد عبث عشوائي، بل هو قانون كوني ينظم حركة الوجود الإنساني ويمنع طغيانه.

فلو اجتمعت الصحة مع الوفرة المالية وسعة الوقت لشعر الإنسان بالاستغناء المطلق،ولتلاشى الدافع نحو السعي والعمل، ولخدرت الروح في لذات عابرة تفقد الحياة بمعناها وجوهرها.

إن النقصان الدائم في أحد هذه العناصر الثلاثة هو المحرك الخفي الذي يدفع الإنسان نحو الحركة والتطور؛ فالاحتياجات تتجدد، والبحث لا يتوقف، والروح تظل في حالة اشتياق مستمر تكبح جماح الغرور وتذكر الإنسان دائماً بحدوده وضعفه البشري.

ومن أسرار هذه القسمة الحكيمة أن كل مرحلة عمرية تختص بنصيبها المفروض من هذه الثلاثية، وكأن الزمن يعيد ترتيب الأوراق بما يناسب وعي الإنسان ونضجه.

مرحلة البدايات تمنح الصحة والوقت وتمنع المال ليختبر المرء صبره ويصنع ذاته بجهده، ومرحلة النضج تمنح المال والوقت ليجني ثمار كده، ولكنها تأخذ جزءاً من نضارة الجسد لتعلمه قيمة ما يملك.

هذا التعاقب يمنح التجربة الإنسانية عمقها الفلسفي الفريد؛ فلا النعيم يدوم على وتيرة واحدة، ولا الشقاء يطبق على الروح بلا هوادة، بل هي رحلة متوازنة من الأخذ والعطاء تتوزع فيها الأقدار بعدل خفي.

ولعل الحكمة الكبرى تكمن في أن السعادة الحقيقية لا تنبع من اكتمال الثلاثية وامتلاكها برمتها، بل من القدرة على التصالح مع النقص وقبول إيقاع الحياة كما هو.

فطوبى لمن فهم اللعبة ودرك أسرارها، فلم يبكِ على ما فاته من ثراء في شبابه، ولم يجزع مما فقد من عافية في خريفه، بل أدرك أن القيمة تكمن فيما يترك المرء خلفه من أثر طيب ومعنى أصيل.

إن الرضا بهذا التوزيع الإلهي العادل هو الميناء الأخير الذي ترسو فيه سفن الحيرة،حيث يتعلم الإنسان أن كمال النعمة ليس في حيازتها كلها، بل في حسن تدبير ما تيّسر منها وشكر النعم الظاهرة والباطنة.