استشاري طب النوم: الساعات وحدها لا تكفي لتقييم جودة نومك

جمال المرشدي

2026-09-28T17:43:02.353Z

أكد رئيس الجمعية السعودية لطب النوم الدكتور مانع الشهراني أن الحكم على النوم الصحي لا يعتمد على عدد الساعات فقط، بل على انتظامه وتوقيته واستمراريته وأثره على اليقظة نهاراً، محذراً من اضطرابات خفية مثل انقطاع التنفس أثناء النوم والنوم القهري وتململ الساقين، وداعياً لطلب التقييم المتخصص عند تأثر الصحة…

أكد الدكتور مانع الشهراني، استشاري طب النوم ورئيس الجمعية السعودية لطب النوم، أن الحكم على جودة النوم لا يرتبط بعدد الساعات فقط، مشيراً إلى أن انتظام النوم واستمراريته وتوقيته، إضافة إلى قدرة الشخص على أداء يومه بيقظة وتركيز، تُعدّ من المعايير الأساسية للنوم الصحي.

وقال «الشهراني» في حديث لـ«سبق»: «في طب النوم، لا أحب أن أختزل النوم الصحي في سؤال: كم ساعة نمت؟ السؤال الأدق هو: كيف نمت؟ ومتى نمت؟ وكيف كان يومك بعد هذا النوم؟».

وأوضح أن النوم الصحي له عدة أبعاد، قائلاً: «أن تحصل على مدة كافية، وأن يكون نومك منتظماً وفي توقيت مناسب لساعتك البيولوجية، وألا يكون متقطعاً بشكل متكرر، وأن تشعر بالرضا عنه، والأهم أن تستيقظ قادراً على أداء يومك بيقظة وتركيز دون نعاس غير طبيعي»، مشيراً إلى أن معظم البالغين يحتاجون إلى نوم منتظم يتراوح بين 7 و9 ساعات، مع اختلاف الاحتياج من شخص إلى آخر.

8 ساعات من النوم.. هل تكفي؟

وحول ما إذا كان عدد ساعات النوم وحده كافياً لتقييم جودته، أجاب «الشهراني» بـ«لا»، موضحاً: «قد ينام شخص ثماني ساعات، لكنه يستيقظ عشرات المرات بسبب انقطاع التنفس أثناء النوم، فيخرج من الليل وكأنه لم ينم. وقد ينام آخر سبع ساعات متصلة ومنتظمة ويستيقظ نشيطاً».

وأضاف: «مدة النوم هي جزء من الصورة وليست الصورة كلها. جودة النوم واستمراريته وتوقيته وانتظامه وغياب اضطرابات النوم، كلها لا تقل أهمية عن عدد الساعات».

وبيّن أن أفضل مقياس بسيط لمعرفة ما إذا كان النوم يحقق الراحة الكافية هو ما يحدث للشخص خلال النهار، قائلاً: «إذا كنت تمنح نفسك وقتاً كافياً للنوم، ومع ذلك تستيقظ وكأنك لم تنم، أو تحتاج وقتاً طويلاً لتستعيد نشاطك، أو تعاني من نعاس أثناء الاجتماعات والقراءة والقيادة، أو ضعف التركيز والذاكرة وسرعة الانفعال والصداع الصباحي، فهذه إشارات تستحق الانتباه».

انقطاع التنفس أثناء النوم.. اضطراب قد لا يشعر به المريض

وعن أبرز أمراض النوم الخفية وأكثرها شيوعاً وخطورة، أوضح «الشهراني» أن في مقدمتها انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، مبيناً: «خطورة هذا الاضطراب أن كثيراً من المرضى لا يعرفون أنهم مصابون به؛ فالشخص يكون نائماً بينما يتكرر تضيق أو انسداد مجرى الهواء عشرات، وأحياناً مئات المرات خلال الليل، وينخفض الأكسجين ويتعرض الدماغ لاستيقاظات متكررة قصيرة قد لا يتذكرها المريض في الصباح».

وأشار إلى أن أول من يكتشف المشكلة في الغالب هو الزوج أو الزوجة، من خلال شخير مرتفع وتوقف واضح في التنفس ثم شهقة أو اختناق، فيما قد يظهر في النهار على شكل نعاس وإرهاق وضعف تركيز وصداع صباحي.

وأكد أن المشكلة لا تقتصر على الشخير، قائلاً: «انقطاع التنفس غير المعالج يرتبط بارتفاع ضغط الدم واضطرابات القلب والأوعية الدموية وبعض اضطرابات نظم القلب، وزيادة مخاطر الحوادث المرورية بسبب النعاس، كما قد يزيد العبء الصحي لدى مرضى السمنة والسكري وأمراض القلب»، مؤكداً أنه «اضطراب طبي يستحق التشخيص والعلاج» لا مجرد إزعاج أثناء النوم.

اضطرابات قد تبقى سنوات دون تشخيص

وأشار «الشهراني» إلى اضطرابات أخرى قد تبقى سنوات دون تشخيص، في مقدمتها النوم القهري، موضحاً أن المريض قد يعاني من نعاس نهاري شديد ونوبات نوم يصعب مقاومتها رغم حصوله على نوم ليلي كافٍ، وقد يصاحب ذلك شلل النوم وهلوسات عند بداية النوم أو الاستيقاظ، وفي بعض الأنواع ضعف مفاجئ في العضلات مع الضحك أو الانفعال يُعرف بـ«الجمدة العضلية» (Cataplexy).

كما أشار إلى فرط النوم مجهول السبب (Idiopathic Hypersomnia)، حيث ينام المريض ساعات طويلة ومع ذلك يستيقظ بصعوبة شديدة ويظل مثقلاً بالنعاس خلال النهار، ومتلازمة تململ الساقين التي يشعر فيها المريض بحاجة ملحّة لتحريك ساقيه مع إحساس مزعج يظهر أثناء الراحة ويزداد مساءً ويتحسن بالحركة، وقد ترتبط في بعض الحالات بنقص مخزون الحديد.

وأضاف أن ثمة اضطرابات أخرى تشمل الأرق المزمن، واضطرابات الساعة البيولوجية، واضطرابات الحركة أثناء النوم، واضطرابات مرحلة نوم الأحلام (REM).

تنفيذ الأحلام أثناء النوم.. علامة تستحق التقييم

وتحدث «الشهراني» عن اضطراب سلوك مرحلة الأحلام (REM Behavior Disorder)، موضحاً أن الشخص يبدأ فيه بتنفيذ ما يحدث في حلمه، قائلاً: «يصرخ أو يلكم أو يركل أو يسقط من السرير. هذه ليست مجرد أحلام كثيرة، وتحتاج إلى تقييم متخصص».

علاجات النوم.. التشخيص أولاً

وحول أحدث الحلول الطبية والسلوكية لعلاج اضطرابات النوم، أكد «الشهراني» أن التطور الأهم في طب النوم يتمثل في القدرة على اختيار العلاج الصحيح للمريض الصحيح، قائلاً: «في الأرق المزمن، يبقى العلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I) من أهم العلاجات الأساسية، وليس مجرد نصائح للنوم. واليوم أصبح متاحاً أيضاً بصورة رقمية».

وأوضح أن ثمة فئات أحدث من الأدوية تعمل على منظومة الأوركسين في الدماغ المسؤولة عن تعزيز اليقظة، وتعمل على تقليل نشاط إشارات اليقظة ليلاً بدلاً من الاعتماد على التهدئة التقليدية، ويعتمد اختيارها على نوع الأرق والحالة الصحية للمريض.

وفيما يتعلق بانقطاع التنفس أثناء النوم، أوضح أن الخيارات العلاجية تشمل أجهزة ضغط مجرى الهواء الإيجابي (PAP)، والأجهزة الفموية، وخفض الوزن، والعلاج الجراحي أو الموضعي في الحالات المختارة، إضافة إلى تحفيز العصب تحت اللسان لبعض المرضى وفق معايير محددة.

وأشار إلى أن علاج السمنة أصبح جزءاً أساسياً من علاج بعض مرضى انقطاع التنفس، مبيناً أن خفض الوزن بشكل فعّال يمكن أن يحسّن شدة انقطاع التنفس لدى المرضى المصابين بالسمنة.

وختم هذه الجزئية بالقول: «لا يوجد علاج واحد للنوم؛ هناك تشخيص صحيح يقود إلى علاج صحيح».

كثرة الأحلام لا تعني بالضرورة سوء النوم

وعن كثرة الأحلام أو تذكّرها عند الاستيقاظ، أكد «الشهراني» أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود مشكلة في جودة النوم، قائلاً: «كثرة تذكّر الأحلام لا تعني تلقائياً أن نومك سيئ. الإنسان قد يحلم في مراحل مختلفة من النوم، لكن الأحلام تكون عادة أكثر وضوحاً وتفصيلاً خلال مرحلة نوم الأحلام (REM)، ويكون تذكّر الحلم أعلى عندما يحدث الاستيقاظ أثناءه أو بعده مباشرة».

وأوضح أن الشخص الذي يقول «أنا لا أحلم» غالباً لا يعني أنه فعلاً لا يحلم، مضيفاً: «الأغلب أنه لا يتذكر الحلم عند الصباح».

متى ترتبط الأحلام باضطرابات النوم؟

وحول إمكانية ارتباط الأحلام المتكررة أو الواضحة باضطرابات النوم، قال «الشهراني»: «نعم، في بعض الحالات، لكن الحلم نفسه لا يشخّص المرض». وأوضح أن الأحلام الواضحة أو تذكّرها قد يزيدان مع كثرة الاستيقاظ وتقطّع النوم، وقد تظهر أحلام شديدة الوضوح في بعض اضطرابات مرحلة نوم الأحلام (REM) أو مع النوم القهري أو بعض الأدوية.

وأشار إلى أن العلامة التي يتعامل معها بجدية هي أن يبدأ الإنسان بتنفيذ الحلم بجسده، قائلاً: «يصرخ، يلكم، يركل، يسقط من السرير أو يؤذي نفسه أو من ينام بجانبه. هنا نفكر في اضطراب سلوك مرحلة نوم الأحلام (REM) ويحتاج الأمر إلى تقييم، وغالباً إلى دراسة نوم متخصصة».

الكوابيس.. متى تكون طبيعية ومتى تستدعي الطبيب؟

وعن الكوابيس، أوضح «الشهراني» أن الكابوس المتقطع، خصوصاً بعد ضغط نفسي أو حدث مزعج، قد يكون أمراً شائعاً ولا يعني بالضرورة وجود مرض، مشيراً إلى أن الكوابيس غالباً ما تحدث خلال مرحلة نوم الأحلام (REM).

وأضاف أن الكوابيس قد تظهر عند بعض مرضى انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، خصوصاً مع تكرر انخفاض الأكسجين والاستيقاظات المفاجئة، مشيراً إلى أنها يُبلَّغ عنها لدى النساء أكثر من الرجال في عدد من الدراسات.

وحدد «الشهراني» الحالات التي تستدعي الاهتمام، وهي: «عندما تصبح الكوابيس متكررة وتوقظ الشخص باستمرار، أو تجعله يخاف من النوم، أو تؤثر على مزاجه وتركيزه وأدائه في النهار، أو يصاحبها صراخ وحركات عنيفة أو إصابات أثناء النوم»، مضيفاً أنه إذا ترافق تكرار الكوابيس مع شخير مرتفع أو توقف في التنفس أو نعاس نهاري، فمن المهم البحث عن احتمال وجود انقطاع التنفس أثناء النوم.

عادات بسيطة لنوم أعمق وأكثر استقراراً

وعن أبرز العادات المساعدة على نوم أعمق وأكثر استقراراً، قال «الشهراني»: «أركز عادة على أمور بسيطة لكن أثرها كبير: تثبيت وقت الاستيقاظ قدر الإمكان، والتعرض للضوء الطبيعي في الصباح، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتقليل الكافيين في الساعات المتأخرة، وتجنب الوجبات الثقيلة والنيكوتين قرب النوم، وتهيئة غرفة هادئة ومظلمة ومعتدلة الحرارة».

وأضاف: «والأهم: لا تحاول إجبار نفسك على النوم. السرير يجب أن يعود في ذهن الدماغ إلى كونه مكاناً للنوم، وليس مكاناً للعمل والتفكير ومراجعة البريد ومشاهدة المقاطع وانتظار النوم لساعات».

الجوال قبل النوم.. المشكلة ليست في الضوء وحده

وحول تأثير استخدام الجوال والأجهزة الإلكترونية قبل النوم، قال «الشهراني» إن الموضوع أكثر تعقيداً من العبارة الشائعة «الضوء الأزرق هو المشكلة»، موضحاً: «هناك ثلاثة أشياء تحدث مع الجوال: قد يؤخر وقت نومك ببساطة لأنك تستمر في استخدامه، وقد يبقي الدماغ في حالة تنبه بسبب المحتوى والتفاعل، كما أن الضوء المسائي يمكن أن يؤثر في الساعة البيولوجية بحسب شدته وتوقيته».

وأضاف: «المشكلة ليست في الضوء وحده، بل في الضوء والمحتوى والتفاعل وتأخير وقت النوم معاً»، ناصحاً بجعل آخر 30–60 دقيقة قبل النوم أهدأ ما يمكن، وعدم جعل الهاتف النشاط الأخير الذي يستمر حتى النوم.

متى ينبغي مراجعة طبيب اضطرابات النوم؟

وأكد «الشهراني» أن مراجعة طبيب اضطرابات النوم تصبح مهمة «عندما يبدأ النوم بالتأثير على النهار أو الصحة أو السلامة، وليس فقط عندما تصبح الليلة مزعجة»، وحدد أبرز العلامات التي تستحق تقييماً متخصصاً:

• شخير مرتفع أو توقف التنفس والاختناق أثناء النوم.
• نعاس شديد في النهار، وخصوصاً أثناء القيادة أو العمل.
• نوم كافٍ بالساعات لكن الاستيقاظ دائماً دون انتعاش.
• أرق يحدث ثلاث ليالٍ أو أكثر أسبوعياً ويستمر لأكثر من ثلاثة أشهر رغم توفر فرصة مناسبة للنوم.
• حركات أو صراخ أو تنفيذ للأحلام أثناء النوم.
• رغبة مزعجة ومتكررة لتحريك الساقين عند الراحة مساءً.
• نوبات نوم لا يمكن مقاومتها، أو شلل نوم متكرر مصحوب بنعاس شديد نهاراً.
• ضعف مفاجئ في العضلات مع الضحك أو الانفعال.
• صداع صباحي متكرر، أو كثرة الاستيقاظ والاختناق، أو اضطراب نوم مصاحب لسمنة أو ارتفاع ضغط يصعب التحكم به.
• أي نعاس وصل إلى درجة الحوادث أو «النعاس خلف المقود».

وختم «الشهراني» حديثه بالتأكيد: «ليس من الطبيعي أن تحصل على وقت كافٍ للنوم، ثم تقضي يومك تقاوم النوم. النوم ليس وقتاً ضائعاً من اليوم؛ هو عملية حيوية يعيد فيها الجسم والدماغ تنظيم وظائفهما. وعندما يختل النوم بشكل مستمر، فالتعايش معه لسنوات ليس الحل. لدينا اليوم أدوات تشخيص وعلاجات سلوكية وتقنيات وأدوية أفضل بكثير مما كان متاحاً قبل سنوات، لكن البداية دائماً من تشخيص السبب، لا من البحث عن منوّم».