إمَّا القِمَّة… وإمَّا النَّدَم !
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يحُثّ المقال طلاب العلم في مطلع العام الدراسي على استثمار هذه المرحلة الفارقة في بناء مستقبلهم، مؤكدًا أن النجاح لا يتحقق بالتمني بل بالجد والانضباط والعمل اليومي المتكرر. ويقدّم الكاتب خلاصة تجربة عملية تقوم على الإخلاص لله، والالتزام بالحضور واحترام الوقت، والمراجعة اليومية والأسبوعية، وطرح الأسئل…
هناك لحظاتٌ في العمر لا تُقاس بالدقائق والساعات، وإنما بما تصنعه من مستقبل، وما ترسمه من مصير. ومطلع العام الدراسي واحدٌ من تلك اللحظات الفارقة؛ فهو ليس مجرد عودةٍ إلى مقاعد الدراسة، ولا بداية فصلٍ جديد، بل بداية رحلةٍ قد تنتهي بطالبٍ يُشار إليه بالبنان، أو بآخر يقف بعد سنواتٍ أمام مرآة الذاكرة، فيتمنى لو أنه أحسن استثمار أيامٍ مضت ولن تعود.
إن المجد لا يطرق أبواب النائمين، ولا يزور الكسالى، ولا يصافح المترددين؛ وإنما يسكن نفوس أولئك الذين آمنوا أن النجاح لا يُمنح بلا ثمن، وأن القمم لا تُرتقى بالأماني، وإنما بالعمل والصبر والانضباط والعزيمة.
فيا طالب العلم، تذكّر أن كل يومٍ يمضي من عمرك صفحةٌ تُكتب في كتاب مستقبلك؛ فإما أن تملأها بالعلم والعمل فتكون شاهدًا لك، وإما أن تتركها للفراغ والتسويف فتكون شاهدًا عليك. ومن أشد الخسائر أن ترى غيرك يحصد ثمارًا كنت قادرًا على بلوغها، ثم تكتشف متأخرًا أنك لم تكن تفتقر إلى القدرة، وإنما إلى المبادرة والانضباط.
وهذه ليست كلمات واعظٍ لم يذق مشقة الطريق، ولا عباراتٍ منقولةً من بطون الكتب؛ وإنما هي خلاصة تجربةٍ تعلمت منها أن التفوق لا يحتاج دائمًا إلى ذكاءٍ خارق، ولا إلى موهبةٍ استثنائية، بقدر ما يحتاج إلى نفسٍ تعرف ماذا تريد، وإرادةٍ لا تستسلم، وعملٍ يتكرر كل يوم.
لقد أدركت أن الفارق بين من يصل ومن يتوقف ليس دائمًا في القدرة، وإنما في الاستمرار. وأن ساعةً من العمل الجاد تتكرر كل يوم، قد تصنع بعد سنواتٍ فارقًا لا تصنعه ساعاتٌ متقطعة من الحماس. وما وصلت إليه من علمٍ ونجاح لم يكن وليد يومٍ واحد، وإنما كان ثمرة أيامٍ جعلت للعلم فيها نصيبًا، وللوقت قيمةً، وللهدف مكانًا.
ولهذا أضع بين يدي طلاب العلم خلاصةً من التجربة، لعلها تكون عونًا لهم في عامهم الدراسي الجديد:
أولًا: استعِن بالله تعالى.
أخلص نيتك، وأكثر من الدعاء، واعلم أن التوفيق من الله قبل كل شيء. فمن صدق مع الله، وأحسن التوكل عليه، ثم أخذ بالأسباب، هانت عليه مشقة الطريق.
ثانيًا: احرص على الحضور والانضباط.
فالتفوق يبدأ من احترام الوقت. والدرس الذي يفوتك اليوم قد تحتاج إلى أضعاف وقته غدًا لفهم ما بُني عليه. وما يبدو أمرًا صغيرًا في بدايته قد يصنع فارقًا كبيرًا في نهايته.
ثالثًا: اجعل للمراجعة نصيبًا ثابتًا من يومك.
فالعلم الذي لا يُراجع يتفلت، والمعلومة التي لا تُستعمل تضعف، أما المراجعة المنتظمة فتحوّل المعرفة من معلوماتٍ عابرة إلى علمٍ راسخ.
رابعًا: اجعل نهاية كل أسبوع محطةً للمراجعة والتقويم.
راجع ما تعلمته، واكتب أهم المسائل والفوائد، وحدد مواطن الضعف قبل أن تتراكم. وحين تأتي الاختبارات، لن تكون في مواجهة جبلٍ من المعلومات، بل أمام حصيلةٍ راكمتها يومًا بعد يوم.
خامسًا: لا تتردد في السؤال.
فالسؤال ليس دليل نقص، وإنما هو طريق الفهم. وكثيرٌ من أبواب العلم لا تُفتح إلا بسؤالٍ صادق، ومن ظن أن إخفاء جهله أفضل من السؤال، قد يحرم نفسه من علمٍ كان قريبًا منه.
واجعل لنفسك عهدًا لا تخونه: لن ينتهي يومي إلا وقد تعلمت شيئًا جديدًا، ولن ينقضي أسبوع إلا وقد تقدمت خطوة، ولن ينتهي هذا العام إلا وأنا أفضل علمًا وفهمًا وانضباطًا مما كنت عليه عند بدايته.
وقد أحسن ابن الوردي حين قال:
اطلبِ العلمَ ولا تكسلْ فما
أبعدَ الخيرَ على أهلِ الكسلْ
واحتفلْ للفقهِ في الدينِ ولا
تشتغلْ عنهُ بمالٍ أو خَوَلْ
واهجرِ النومَ وحصِّلْهُ فَمَنْ
يعرفِ المطلوبَ يحقرْ ما بذلْ
لا تقلْ قدْ ذهبَتْ أربابُهُ
كلُّ مَنْ سارَ على الدربِ وصلْ
في ازديادِ العلمِ إرغامُ العِدى
وجمالُ العلمِ يا صاحِ العملْ
إن العودة إلى المدرسة ليست عودةً إلى الكتب والدفاتر فحسب؛ إنها فرصةٌ جديدة لمراجعة الذات، وتصحيح المسار، وبناء المستقبل. فلا تجعل عامك نسخةً مكررةً من العام الذي سبقه، ولا تنتظر آخر العام لتكتشف أنك كنت تستطيع أن تفعل أكثر.
وتذكّر أن الشهادة ورقة، أما العلم فحياة. والدرجات أرقام، أما التفوق الحقيقي فهو شخصيةٌ تتكون، وعقلٌ ينضج، وإرادةٌ تقوى، وأخلاقٌ ترتقي. والنجاح لحظةٌ تفرح بها، أما الاجتهاد فهو عادةٌ تصنع لك حياةً مختلفة.
فانهض من أول يوم، وحدد غايتك، واعرف طريقك، ولا تستصغر خطوةً صغيرةً تسير بها كل يوم.
إما القمة… وإما الندم.
والقمة لا تبدأ من هناك، وإنما تبدأ من اليوم؛ من مقعدك، وكتابك، ووقتك، وقرارك أن تكون أفضل مما كنت بالأمس.
فمن زرع الجدَّ حصد المجد، ومن عانق القمة منذ البداية، لم يرضَ بغيرها نهاية.