الثوب المشقوق

مقال رأي

د. جواهر الروقي

2026-10-11T08:00:00.401Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يحذّر المقال من ثقافة مؤسسية تختلّ فيها موازين المسؤولية، حيث تُحاسَب الإدارات أو الأفراد الذين يبادرون إلى إصلاح الأخطاء بدلًا من مساءلة الجهات التي تسببت بها أصلًا، مما يكرّس الظلم ويُضعف روح المبادرة. ويؤكد أن التعاون بين الإدارات يجب أن يكون واضحًا ومتوازنًا ومقرونًا بتوثيق ونسب صحيح للمسؤوليات…

في بعض بيئات العمل، لا تكمن المشكلة في وقوع الخطأ بقدر ما تكمن في اختلال الميزان الذي تُوزَّع به المسؤوليات، وتُقاس به المواقف، وتُحدَّد على أساسه الجهات التي تستحق اللوم أو التقدير ، فقد تتكرر الأخطاء في إدارةٍ ما، فتتدخل إدارة أخرى لمعالجتها بصمت، انطلاقًا من روح التعاون والتكامل، وحرصًا على ألّا تتعطل الأعمال أو تتأثر مصالح المنشأة. ويتكرر المشهد حتى يصبح الإصلاح الصامت ممارسة معتادة، ويُنظر إلى احتواء الخلل وكأنه جزء طبيعي من مهام الإدارة التي لم تتسبب فيه أصلًا.

لكن المفارقة تبدأ حين يُكتشف الخطأ بعد حين؛ فتُستحضر الإدارة التي تدخلت لمعالجته، وتُوجَّه إليها الأسئلة والملحوظات، وربما تُحمَّل مسؤولية ما لم تنشئه، بينما يظل مصدر الخلل بعيدًا عن المساءلة التي يستحقها ، وهنا يبدو المشهد كأننا أمام ثوبٍ مشقوق من جهته، لكن الأنظار تتجه إلى اليد التي حاولت ستر الشق، لا إلى اليد التي تركته يتسع.

إن التعاون المؤسسي قيمة إدارية أصيلة، لكنه لا يعني أن تتحول الإدارة المتعاونة إلى مظلة دائمة لأخطاء الآخرين، ولا أن يُفسَّر صمتها على أنه إقرار بالمسؤولية، أو أن يصبح نجاحها في احتواء المشكلات سببًا لمضاعفة الأعباء عليها. فهناك فرق جوهري بين أن تتكامل الإدارات لإنجاز العمل، وبين أن تتوارى المسؤوليات خلف مفهوم التكامل حتى تضيع حدود الاختصاص والمحاسبة.

ومن منظور نظرية الموارد البشرية، فإن الموظف والإدارة ليسا مجرد أدوات لتنفيذ المهام، بل موارد تنظيمية تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على حل المشكلات، وتحتاج إلى بيئة عادلة حتى تستثمر المنشأة هذه القدرات بكفاءة ، وحين تُكافأ الإدارة التي تكرر الخطأ بالتغاضي، بينما تتحمل الإدارة التي تعالجه تبعاته، فإن المؤسسة لا تخلّ فقط بمبدأ العدالة التنظيمية، بل تُسيء توجيه مواردها البشرية؛ إذ تستنزف وقت الكفاءات في إصلاح الخلل بدلًا من توظيفه في التطوير، وتدفع أصحاب المبادرة تدريجيًا إلى التحفظ، خشية أن يتحول تدخلهم الإيجابي إلى مسؤولية سلبية تُلاحقهم لاحقًا.

والأخطر من ذلك أن هذا النمط يصنع سلوكًا مؤسسيًا غير صحي؛ فحين يدرك الموظفون أن الاعتراف بالخلل قد يكون أقل كلفة من محاولة إصلاحه، وأن المبادرة قد تجلب المساءلة بدلًا من التقدير، فإن بعضهم سيتعلم كيف يحمي نفسه بدلًا من حماية العمل. وعندها تخسر المنشأة ما هو أثمن من الوقت والجهد: تخسر الثقة، وروح المبادرة، والاستعداد لتحمل المسؤولية المشتركة.

إن الإدارة الناضجة لا تبحث فقط عمّن تعامل مع المشكلة، بل تعود إلى جذورها لتعرف أين نشأت، ولماذا تكررت، ومن يملك صلاحية منعها، وما الإجراءات التي تحول دون عودتها ، كما أنها تفرّق بين المسؤولية عن إنشاء الخطأ، والمسؤولية عن معالجته، والمسؤولية عن الإشراف عليه؛ فهذه أدوار مختلفة لا يجوز جمعها في جهة واحدة لمجرد أنها كانت الأكثر حضورًا عند انكشاف المشكلة.

ولا يعني ذلك أن تُغلق الإدارات أبوابها، أو تتخلى عن التعاون، أو تترك الأخطاء تتفاقم بحجة حماية حدود اختصاصها؛ بل يعني أن يكون التعاون واضحًا، موثقًا، ومتوازنًا، وأن يُنسب الفضل إلى أهله، وتُحدَّد المسؤولية وفق الوقائع والصلاحيات، لا وفق الجهة التي يسهل توجيه اللوم إليها.

فالعدالة في بيئة العمل ليست ترفًا إداريًا، بل شرطٌ لحماية الكفاءات، وتحقيق الكفاءة التشغيلية، وبناء ثقافة مؤسسية تتعلم من أخطائها بدلًا من إعادة إنتاجها ، ومن لا يميز بين من أحدث الخلل ومن احتواه، قد يظن أنه يحاسب، بينما هو في الحقيقة يعاقب الحل ويترك المشكلة تنمو.

وفي نهاية المطاف، لا يستقيم الثوب بكثرة لوم من حاول رتقه، بل بمعرفة موضع الشق، وإصلاح سببه، ومنع اتساعه ، فالمؤسسات لا تنهض حين تتبادل إداراتها أعباء الأخطاء، وإنما حين تتكامل في الإنجاز، وتتوازن في المسؤولية، وتحتكم إلى ميزان واحد لا يتغير بتغير الأشخاص أو المواقع.

فهل نريد إداراتٍ تتعاون لإصلاح الخلل، أم إداراتٍ تتعلم أن الابتعاد عن الإصلاح أكثر أمانًا من الاقتراب منه؟