"توجيه اليمين للشخصية الاعتبارية"

مقال رأي

رِفال السيف

2026-04-06T15:00:00.076Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يرسّخ نظام الإثبات السعودي مبدأ عدم جواز توجيه اليمين القضائية للشخصية الاعتبارية (كالشركات والمؤسسات) باعتبار أن اليمين عمل ديني يرتبط بضمير الشخص الطبيعي، ويجيز بدلاً من ذلك توجيه اليمين لمن باشر الواقعة فعلياً داخل الكيان. ويُطبَّق ذلك في اليمين المتممة والحاسمة على السواء، بحيث يؤدي الشخص الطب…

في ضوء نظام الإثبات السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/٤٣) لعام ١٤٤٣هـ ولائحته التنفيذية (الأدلة الإجرائية)، يبرز تساؤل جوهري حول مدى إمكانية توجيه اليمين للشخصية الاعتبارية: وهي الكيانات المعنوية كالشركات والمؤسسات التي منحها المنظم الشخصية القانونية؛ لتمكينها من ممارسة الحقوق وتحمل الالتزامات، وللإجابة على تلك التساؤلات، يجب علينا ابتداءً توضيح طبيعة اليمين القضائية بنوعيها؛ المتممة والحاسمة ومن ثم الانتقال لمدى إمكانية توجيهها بنوعيها للشخصية الاعتبارية.

أولًا: اليمين المتممة: هي اليمين التي يوجهها القاضي من تلقاء نفسه لأي من الخصوم ليتوقف عليها حكمه في موضوع الدعوى أو في قيمة ما يحكم به، ويتم اللجوء إليها عندما يكون في الدعوى دليل ناقص أو أدلة غير كافية للاستناد عليها، فتكون اليمين متممة لهذه الأدلة ليكمل بها القاضي الأدلة المقدمة لديه، ولا دخل لإرادة الخصمين فيها.

ثانيًا: اليمين الحاسمة: هي اليمين التي يوجهها أحد الخصوم للطرف الآخر والغاية منها حسم النزاع في المسألة المتنازع عليها، ويتم اللجوء إليها بإرادة أحد الخصوم وذلك بالاحتكام إلى ذمة وضمير صاحبه عند عوزه عن البينة.

وبالدخول في صلب الموضوع، نجد أن نظام الإثبات السعودي قد أخذ بمبدأ (عدم جواز توجيه اليمين إلى الشخصية الاعتبارية ذاتها)؛ مستنداً إلى أن اليمين عمل ديني يحتكم إلى ضمير الحالف، والشخصية الاعتبارية لا ضمير لها ولا دين، وإنما هي مجرد تصور افتراضي وضعه المنظم، وقد أكدت صريح المادة (٩٤/٢) من الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات على ذلك فنصّت على أنه: "لا توجه اليمين للشخص ذي الصفة الاعتبارية" وهذا بالفعل ما هو معمول به قضاءً في المملكة العربية السعودية، حيث استقرت الأحكام القضائية على رد طلبات تحليف الجهات الاعتبارية لمخالفة ذلك للقواعد المنظمة.

وإدراكًا من المنظم لأهمية حفظ حقوق الخصوم في ظل هذا المنع النظامي الصريح الموجّه للكيان بصفته الاعتبارية، فقد أجاز توجيه اليمين للشخص الطبيعي الذي اتصلت به الواقعة، أو باشرها أثناء أداء مهامه الوظيفية داخل الشخصية الاعتبارية دون أن توجّه لمدير المنشأة أو من فوض بالتمثيل؛ باعتبار من باشر التصرف هو صاحب الشأن في هذه المسألة، وخاصة عند ارتكابه لخطأً يسبب ضرر للغير، أو إخلال بالتزام يترتب على إثره تحقق (المسؤولية التقصيرية أو المدنية أو الجزائية) وتكون المنشأة هنا مسؤولة بالتضامن معه عن ذلك الخطأ، وهذا ما أقرّته نص المادة (١٢٩) من نظام المعاملات المدنية السعودي والتي تقضي بمسؤولية "المتبوع" عن الضرر الذي يحدثه "تابعه" بخطئه أثناء تأدية عمله، حيث تتحمل الجهة التي يعمل فيها الموظف المسؤولية معه بالتضامن.

كما وقد استقرت الأحكام في المملكة على توجيه اليمين المتممة للشخص الذي باشر التصرف، وما يعضّد ذلك هو نص المادة (١٠٦) التي قضت بأن: "يؤدي اليمين المتممة الولي والوصي وناظر الوقف ومن في حكمهم فيما باشروا التصرف فيه" وهو ما يُقاس عليه في تأدية الشخص الطبيعي المباشر للواقعة داخل الكيان لليمين.

أما فيما يخص اليمين الحاسمة في الدعاوى التي تكون الجهة الاعتبارية طرفاً فيها، فقد أخذ المنظم السعودي بذات الرأي الذي يقضي بتوجيه اليمين إلى الشخص الطبيعي الذي اتصلت به الواقعة والذي باشر التصرف كذلك، ولهُ أن يؤدي اليمين وتُدفع بها الدعوى عن الشخصية الاعتبارية، أو أن يمتنع وحينئذٍ تُرد اليمين على المدعي استنادًا للمادة (١٠٦) سالفة الذكر.

ختاماً، أثبت هذا المنهج القانوني بأن نظام الإثبات السعودي قد وفّق بين حماية الكيانات الاعتبارية من مخاطر توجيه اليمين لذاتها، وبين ضمان العدالة عبر توجيه اليمين لمن باشر الواقعة فعلياً ومنحه صلاحية أدائها أو ردها وبذلك، تظل اليمين وسيلة لإحقاق الحق وإنهاء الخصومة، مما يعزز من كفاءة وسائل الإثبات ويصون حقوق الكيانات والمتعاملين فيها وفقاً لما استقر عليه العمل النظامي والقضائي في المملكة العربية السعودية.