بُخل التقدير.. حينما يتحول "الشكر" إلى عملة نادرة في بنك المنظمات الثرية

مقال رأي

أحمد علي العمودي

2026-05-14T07:15:29.514Z

يركز المقال على أن كثيراً من المنظمات الثرية مادياً تفشل في الاحتفاظ بالكفاءات بسبب "فقر قيمي" يتمثل في بخل التقدير والاعتراف بجهود الموظفين، والاكتفاء بالراتب كمؤشر وحيد للتقدير. يوضح أن المال يشتري الحضور الجسدي، بينما التقدير هو ما يشتري الولاء والإبداع، وأن غياب الثناء الصادق يقود إلى الاستقالة…

تتنافس المنظمات الكبرى على استقطاب العقول عبر عروض مالية مغرية، ومكاتب فاخرة، وحزم من المزايا التي تعكس ثراءها المادي. ومع ذلك، يبرز تساؤل استراتيجي يتردد في أروقة تلك المكاتب الزجاجية الصامتة: لماذا ترحل الكفاءات رغم وفرة المادة؟ الإجابة تكمن غالباً في "فقر قيمي" خفي؛ حيث تتحول كلمة الثناء والاعتراف بالمنجز إلى "عملة نادرة" يبخل بها القادة، ظناً منهم أن عقد العمل يشتري "الإبداع" كما يشتري "الوقت".

إن الخطورة تكمن في تحول العلاقة المهنية إلى عملية "مقايضة جافة"، تُهدر فيها الروح المعنوية، ويصبح فيها الموظف مجرد ترس في آلة تُنتج الأرقام وتفتقر للتقدير.

سيكولوجية "البخل المعنوي" وفخ الكفاية المادية

يقع بعض القادة في فخ "الكفاية المادية"، معتقدين أن إيداع الراتب في نهاية الشهر هو التقدير الوحيد الذي يستحقه الموظف. هذا السلوك ينبع من فلسفة إدارية عتيقة ترى في "الشكر" إضعافاً للهيبة، أو وسيلة قد تدفع الموظف للتراخي أو المطالبة بالمزيد. الحقيقة هي أن "بُخل التقدير" يولد حالة من الاستنزاف العاطفي؛ حيث يشعر المبدع أن جهده الاستثنائي يُعامل كواجب روتيني، مما يقتل رغبة "المبادرة" لديه ويحول أداءه إلى "الحد الأدنى" المطلوب للبقاء فقط.

المنظمات الثرية.. جوع في ظلال الوفرة

من المفارقات الصادمة أن نجد منظمات تمتلك ميزانيات ضخمة للتدريب والفعاليات البروتوكولية، لكنها تعاني من شح حاد في "ثقافة الاعتراف". القائد الذي يبخل بكلمة ثناء عابرة في اجتماع، أو إيميل شكر بسيط لمهمة أُنجزت ببراعة، هو في الواقع يمارس "هدراً استراتيجياً". الثراء الحقيقي للمنظمة لا يُقاس بما تملكه في أرصدتها البنكية، بل بما تملكه من "رأس مال تقديري" يجعل الموظف يشعر بأنه "شريك في الأثر" وليس مجرد "منفذ للأوامر".

حقيقة إدارية:

المنظمة التي تظن أن المال يشتري "الولاء" هي منظمة واهمة؛ فالمال يشتري الحضور الجسدي، لكن "التقدير" هو وحده الذي يشتري العقل والقلب والإخلاص.

من "صرف الرواتب" إلى "استثمار المشاعر"

في ظل التحول الوطني نحو "أنسنة الإدارة" وفق رؤية 2030، أصبح لزاماً على القيادات أن تدرك أن التقدير هو "وقود الابتكار". "بُخل التقدير" ليس مجرد سمة شخصية، بل هو خلل في "الحوكمة السلوكية" للمنظمة. القائد الملهم هو من يحول بيئة العمل من "ساحة لتنفيذ المهام" إلى "ميدان لتحقيق الذات"؛ حيث يكون الثناء صادقاً، والاعتراف بالفضل علنياً، والدعم المعنوي بنية تحتية لا تتجزأ من الأداء اليومي.

تكلفة الصمت القيادي ونزيف المواهب

إن صمت القائد عن تقدير منجزات فريقه هو رسالة سلبية تقول: "عملك لا قيمة له". هذه الرسالة هي المحرك الأول لما يسمى بـ "الاستقالة النفسية" قبل أن تتحول إلى استقالة فعلية. الكفاءات التي ترحل اليوم لا ترحل دائماً من أجل "ريال إضافي"، بل ترحل بحثاً عن "بيئة تراها" وتُقدر حجم تضحياتها. الاستثمار في كلمات الشكر والتقدير هو الاستثمار الوحيد الذي عائده (ROI) لا يُقدر بثمن، لأنه يبني صفاً ثانياً من القادة المخلصين الذين يحملون رؤية المنظمة في غياب رؤسائهم.

توصيات عملية لكسر حاجز "بُخل التقدير":

  • أنسنة التقييم: لا تجعل تقييم الأداء السنوي هو المرة الوحيدة التي يسمع فيها الموظف رأيك فيه؛ اجعل التقدير "عادة يومية" لا "فعالية موسمية".

  • الثناء العلني والنقد السري: استخدم منصات التواصل الداخلية والاجتماعات للاحتفاء بالمنجزات الجماعية والفردية بصدق، فالتقدير العلني يضاعف الأثر.

  • التقدير النوعي: لا تشكر الجميع بنفس الطريقة؛ خصص شكرك ليصف "الأثر النوعي" الذي أحدثه الموظف، ليعلم أنك تتابع تفاصيل تميزه بدقة.

خاتمة

عزيزي القائد.. خزائن منظمتك قد تمتلئ بالذهب، لكنها ستظل فقيرة إذا لم يجد موظفوك فيها كلمة طيبة تجبر خاطر جهدهم. التقدير ليس "صدقة" تمنحها لفريقك، بل هو "حق أصيل" لمن صنعوا نجاحك وجعلوا من رؤيتك حقيقة ملموسة.

النجاح الحقيقي هو أن تكون رئيساً "ثرياً بامتنانك"، معطاءً بكلمتك، قادراً على تحويل بيئة العمل إلى بنك من المشاعر الإيجابية التي لا تنضب. كن القائد الذي يتذكره الناس لا بمنصبه، بل بكلمة شكر قيلت في لحظة تعب فغيرت مسار طموحهم للأبد.

تذكر دائماً:

"هيبتك لا تأتي من جفاف مشاعرك،
بل من نبل اعترافك بفضل الآخرين؛
فالمنظمات الثرية التي تبخل بالتقدير،
تنتهي بفقر في الكفاءات لا يعوضه أي رصيد بنكي".

أحمد علي العمودي
خبير استراتيجي، مستشار تطوير الأعمال
https://ahmedalamoudi.com