جامعة الملك سعود بين مستقبل التعليم وهوية المجتمع

مقال رأي

صحيفة سبق

2026-04-15T08:04:24.404Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

المقال يناقش قرارات جامعة الملك سعود بإلغاء السنة التحضيرية وبعض البرامج والتخصصات الإنسانية كالعربية والتاريخ والجغرافيا، باعتبارها جزءًا من توجه استراتيجي لربط مخرجات التعليم بسوق العمل وتعزيز التخصصات العلمية والتقنية لدعم الاقتصاد المعرفي وخفض البطالة. لكنه يحذر من تقليص دور الجامعة الثقافي والح…

تُعد جامعة الملك سعود واحدة من أعرق الجامعات في المملكة العربية السعودية والمنطقة العربية، حيث تمثل نموذجا تاريخيًا لتطور التعليم العالي، ومركزا علميا أسهم في بناء رأس المال البشري الوطني لعقود طويلة. وقد حققت الجامعة حضورا لافتا في التصنيفات الإقليمية والعالمية، ورسخت مكانتها كمؤسسة رائدة في البحث العلمي والتعليم، مع طموح معلن بأن تكون ضمن أفضل الجامعات عالميا، كما أن رسالتها المؤسسية ترتكز على خدمة الاقتصاد الوطني وتلبية احتياجات سوق العمل، ما يعكس ارتباطها الوثيق بالتنمية الشاملة.

في هذا السياق، تأتي القرارات الأخيرة التي شملت إلغاء السنة التحضيرية، وإيقاف برامج في كليات مثل اللغات والعلوم الإنسانية والزراعة، وإلغاء تخصصات كالعربية والتاريخ والجغرافيا، كتحول جذري يستحق قراءة عميقة تتجاوز ظاهر القرار إلى أبعاده الاستراتيجية. فالقيمة المضافة من هذه القرارات يكمن في إعادة هيكلة بعض البرامج الأكاديمية، ومن أبرزها إنهاء السنة المشتركة، كخطوة تحمل أبعادًا استراتيجية يمكن فهمها في ضوء التوجهات الوطنية التي تسعى إلى مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتقليل الفجوة بين التخصصات وفرص التوظيف. ويبرز إنهاء السنة المشتركة كقرار إيجابي يسهم في تسريع المسار الأكاديمي للطالب، وتقليل الهدر الزمني، وتعزيز وضوح المسار التخصصي منذ البداية، بما يدعم كفاءة المخرجات التعليمية ويرفع جاهزية الخريجين. كما أن التوجه نحو التخصصات العلمية والتقنية يعكس إدراكًا لأهمية الاقتصاد المعرفي، ويسهم في تعزيز تنافسية الخريجين، بما يدعم جهود خفض معدلات البطالة وتحقيق الكفاءة الاقتصادية.

غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته الاقتصادية، يطرح تساؤلات جوهرية حول التوازن بين الوظيفة الاقتصادية للجامعة ودورها الثقافي والحضاري. فالتخصصات الإنسانية، مثل اللغة العربية والتاريخ، لا تُقاس قيمتها فقط بمؤشرات التوظيف، بل بدورها في حفظ الهوية الوطنية وتعزيز الوعي الحضاري وبناء الشخصية المتكاملة. وإلغاء هذه التخصصات أو تقليصها قد يُفهم على أنه اختزال لدور الجامعة في بعدها التنموي الضيق، مقابل تراجع دورها في التأصيل الثقافي، وأي تحول في بنية التخصصات يجب أن يراعي خصوصية المجتمع السعودي، الذي يقوم على مزيج متوازن بين الأصالة والمعاصرة. فاللغة العربية، على سبيل المثال، ليست مجرد تخصص أكاديمي، بل هي وعاء الثقافة والدين، والتاريخ ليس مادة دراسية فقط، بل ذاكرة وطن. وبالتالي، فإن تقليص هذه التخصصات دون بدائل نوعية قد يخلق فجوة في بناء الوعي الثقافي للأجيال القادمة.

ومصير أعضاء هيئة التدريس يمثل أحد أكثر التحديات حساسية في مثل هذه التحولات. إذ إن إلغاء البرامج لا يعني فقط إعادة توجيه الطلاب، بل يفرض ضرورة إعادة تأهيل الكفاءات الأكاديمية، أو نقلها إلى تخصصات أخرى، أو حتى الاستفادة منها في مجالات بحثية وتطبيقية جديدة. ومن هنا، فإن نجاح القرار لا يقاس فقط بنتائجه الاقتصادية، بل بمدى قدرته على إدارة التحول البشري والمعرفي داخل المؤسسة دون فقدان خبراتها التراكمية.

وبناءً على ما سبق، يمكن اقتراح تعديل متوازن للقرار يقوم على عدة مرتكزات: أولها، عدم الإلغاء الكامل للتخصصات الإنسانية، بل إعادة تصميمها لتكون أكثر ارتباطًا بسوق العمل، مثل إدماجها مع مجالات الإعلام الرقمي، والسياسات العامة، والصناعات الثقافية. ثانيها، تبني نموذج “التخصصات المزدوجة” الذي يجمع بين العلوم الإنسانية والتقنية، بما يعزز فرص التوظيف دون التفريط في الهوية. ثالثها، إنشاء مراكز بحثية متقدمة في الدراسات الإنسانية تكون ذات بعد تطبيقي يخدم قضايا المجتمع والتنمية. وأخيرا، وضع خطة انتقالية واضحة لأعضاء هيئة التدريس تضمن الاستفادة من خبراتهم وعدم هدر رأس المال المعرفي.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذه القرارات بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها التعليم العالي عالميا، حيث تتجه الجامعات نحو المرونة والتخصصات المستقبلية. إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق معادلة دقيقة: جامعة تواكب سوق العمل دون أن تفقد دورها الثقافي، وتستجيب للاقتصاد دون أن تتخلى عن رسالتها الحضارية، ليبقى تأثيرها المستدام على المجتمع.