مملكة التحديات الكبرى.. كلنا سلمان، كلنا محمد
مقال رأي
يستعرض المقال المسار التاريخي لتأسيس الدولة السعودية منذ الإمام محمد بن سعود في الدرعية، مروراً بتوحيد الملك عبد العزيز للبلاد تحت راية التوحيد، حتى عهد الملك سلمان بن عبد العزيز الذي عزز المنجزات ورسّخ قيم العدل وربط المنصب بالمسؤولية لا بالوجاهة. ويبرز النص اختيار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وإ…
إن القمم الشامخة لا تتسع للجميع، ولا يبحث عنها إلا من يفتقدها، أما الذين وُلدوا في أحضانها واعتادوا رفعتها، فلا يتكلفون عناء البحث عنها. فمن قلب نجد، بدأت أولى ملامح المجد والتاريخ، حين أرسى الإمام محمد بن سعود دعائم الدولة السعودية الأولى من الدرعية. بهمة لا تعرف الكلل، وعزم لا يلين، وُضعت اللبنة الأولى لهذا الكيان المبارك.
وتوالت الفصول التاريخية المجيدة، حتى أطلّ الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- باعث الدولة السعودية الثالثة ومؤسسها. لقد أخذ على عاتقه لمّ شتات البلاد والعباد تحت راية التوحيد الخالدة، مستنداً إلى سنوات طويلة من الكفاح والمعارك ومواجهة الخطوب والأحداث الجسيمة. لم يكن دربه مفروشاً بالورود، بل كان محفوفاً بالتحديات الداخلية والخارجية؛ لكنه مضى يرسخ بفضل الله وتوفيقه هذا الكيان العظيم. كان يقينه الثابت أننا حراس العقيدة، وأحفاد الصحابة، وأبناء مهد الرسالة ومهبط الوحي، فرفع الشهادتين شعاراً للمرحلة، واتخذ من الشريعة السمحاء دستوراً ومنهاجاً، ولا نملك اليوم إلا أن نلهج له بالدعاء بالرحمة والمغفرة.
وفي عام 2015م (1436هـ)، أشرق عهد جديد بتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم، بعد مسيرة حافلة أفنى فيها عمره في خدمة والده المؤسس وإخوته الملوك وشعبه، حتى سرت في المجالس العبارة الشهيرة “ما يردني إلا سلمان” كرمز للعدل والإنصاف. ومنذ أن كان أميراً للرياض، كانت توجيهاته السديدة وأوامره الصارمة تجوب أركان المملكة، لا تستثني مسؤولاً قصّر في حق مواطن، أو تهاون في أداء أمانته. ومن هذا العمق الإداري، تبلورت قناعاته ورُسخت رؤيته؛ فبصر مكامن الضعف وعرف كيف يداويها، لكي لا يُظلم ضعيف أو يفلت فاسد من مقصلة العدالة. فكان عهده عهد تعزيز المنجزات وتلافي السلبيات، وغدت المناصب في عرفه تكليفاً لا تشريفاً، ملغيًا الرؤى الفردية للمسؤولين، واضعًا أهدافًا وطنية موحدة، ترسم نهجاً مستداماً يتوارثه الخلف عن السلف.
وحين يلتقي الشغف بالخبرة، ومن هذا المنطلق الحكيم، اختار -حفظه الله- ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتبايعه الأسرة الحاكمة والشعب السعودي؛ إيماناً منه بضرورة تجديد الدماء وضخ روح الشباب الحيوية لتتكامل مع الخبرة العميقة التي رسخها القائد. ومن رحم هذا الاختيار الاستثنائي، ولدت رؤية المملكة 2030 لتقود مرحلة تحول واسعة في مسيرة الوطن. ولم تكن الرؤية مجرد قرار عابر، بل كانت تحولاً تاريخياً جذرياً أعلن قطيعة تامة مع التراخي، وأطلق ورشة عمل وتخطيط شاملة لكافة القطاعات، لتغدو السعودية واجهة العالم والنموذج الأسمى الذي يُحتذى به.
لقد لخص الأمير محمد بن سلمان هذا الحمل الثقيل في أحد لقاءاته حين أشار بما معناه: إنه كان بمقدوره أن ينأى بنفسه عن صخب السياسة وعنائها، لكن القدر اختاره، والمهمات العظيمة لا ينهض بها إلا من جُبل على حملها. لقد تحمّل سموه المسؤولية التاريخية ليس تجاه الشعب السعودي فحسب، بل أمام العالم أجمع؛ فالسعودية لم تكن يوماً دولة هامشية، وحكامها يتربعون على عرش الثقة الدولية. ولكي تتبوأ المملكة مكانتها كدولة عظمى، لم يكتفِ بالاتكاء على أمجاد الماضي، بل خطط برؤية ثاقبة للمستقبل، لتكون السعودية مهابة الجانب وقوية ليس بتاريخها التليد فحسب، بل بحاضرها المزدهر ومستقبلها الواعد، ومحوراً مؤثراً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً على الساحة الدولية.
إن هذا الثقل الاستراتيجي وهذا الإرث التاريخي لم يأتيا من فراغ، فكم مر الشرق الأوسط بأزمات عاصفة، وحروب طاحنة، وثورات مدمرة، وفي كل مرة كانت السعودية تخرج من الأزمات أشد صلابة وأقوى عوداً. إن تراكم الخبرات لدى قيادتنا الرشيدة -بعد توفيق الله- عزز هذا الوعي الاستراتيجي الكبير، فأحبط المؤامرات، وعلمنا كيف نقهر الأزمات وثباتنا يشتد وإصرارنا يتضاعف.
لقد حبانا الله بقادة أحبونا فبادلناهم حباً بحب، يرون في شعبهم جبالاً راسخة، ونراهم نحن تاجاً يزين قممها.