متأخر عن ماذا؟
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يستعرض المقال شعور الكاتب بأنه "متأخر" في حياته دون معرفة معيار هذا التأخر، ويربط ذلك بتأثير مقارنة الذات بحياة الآخرين كما تظهر على السطح عبر الصور والأخبار. يوضح أن المقارنة غير عادلة لأننا نعرف قصتنا كاملة بترددنا وخساراتنا ومحاولاتنا، بينما نرى من الآخرين مجرد لقطات منتقاة. ويخلص إلى أن العمر لي…
قبل أن أضع هاتفي جانبًا، مررت سريعًا على الأخبار والصور. توقفت عند صورة، ثم أخرى، ثم أغلقت الشاشة.
وضعت رأسي على الوسادة، لكن النوم لم يأتِ.
كان هناك شعور واضح، ومربك في الوقت نفسه: أنا متأخر.
لا أعرف عن ماذا. لا شيء محددًا أستطيع أن أشير إليه وأقول: هذا هو الشيء الذي كنت أنتظره ولم يحدث. مجرد إحساس بأن الوقت يمضي، وأنني في مكان ما بين ما كنت أظن أن حياتي ستكون عليه، وما أصبحت عليه فعلًا.
ظللت أفكر: من أين يأتي هذا الشعور؟ وكيف يمكن للإنسان أن يشعر بأنه لم يصل، دون أن يعرف أصلًا إلى أين كان يفترض أن يصل؟
ربما لأننا نقضي وقتًا طويلًا في مراقبة حياة الآخرين. نرى خطواتهم، ونتائجهم، والتحولات التي تظهر لنا، فنلتفت إلى حياتنا بعدها وكأن علينا أن نقارن.
غير أن المقارنة هنا غير عادلة؛ فأنا أعرف قصتي كاملة. أعرف ترددي، ومحاولاتي التي لم تكتمل، والأبواب التي طرقتها ولم تُفتح، وتلك التي لم أطرقها أصلًا. أعرف الأيام التي كنت فيها قويًا، وتلك التي لم أكن فيها كذلك.
أما حياة الآخرين، فأرى منها ما يصلني فقط. ومع ذلك، أبني من تلك الأجزاء الصغيرة صورة كاملة، ثم أقف أمامها وأحاسب نفسي.
وهذه واحدة من أغرب عاداتنا: أن نحول حياة الآخرين إلى مقياس، ثم ننسى أن لكل إنسان ظروفه، واختياراته، وخساراته التي لا تظهر في الصور.
كبرنا أيضًا ونحن نحمل تصورات كثيرة عن شكل الحياة. ليس بالضرورة أن أحدًا جلس معنا وقال لنا: يجب أن تكون هنا في هذا العمر، وهنا بعده؛ لكنها أفكار تتسرب بهدوء من حولنا، حتى تصبح مألوفة إلى درجة أننا لا نعود نسأل من أين جاءت، فنكتشف لاحقًا أننا نقيس أنفسنا بمواعيد لم نضعها نحن.
المشكلة ليست في أن تكون للحياة أهداف؛ على العكس، فمن حق الإنسان أن يريد، وأن يسعى، وأن يشعر بالحسرة على فرصة ضاعت منه. وهناك أشياء فعلًا لا تعود، وأخطاء ندفع ثمنها، وقرارات كان يمكن أن نتخذها بشكل أفضل.
لكن ليس كل ما لم يحدث خسارة، وليس كل طريق لم نسلكه دليلًا على أننا أخطأنا الوجهة.
أحيانًا تتغير رغبتنا نفسها؛ فشيء كنت أراه مهمًا قبل سنوات، لم يعد يعني لي الشيء نفسه اليوم. وطريق كنت أتمنى أن أمشي فيه، اكتشفت لاحقًا أنني كنت أريده فقط لأنني رأيت الآخرين يمشون فيه.
وهنا تصبح مراجعة النفس أهم من مطاردة الصورة القديمة عنها: هل ما زلت أريد الشيء نفسه؟ هل هذا الطريق يشبهني فعلًا؟ أم أنني أحاول الوصول فقط لأنني تعودت أن أعتقد أن الوصول هو المطلوب؟
ربما لهذا لا أحب أن ننظر إلى العمر كأنه جدول مهام. العمر لا يخبرنا ماذا أنجزنا، بقدر ما يخبرنا كم مرّ من الوقت. أما ما فعلناه بهذا الوقت، وما تعلمناه منه، وما غيرناه في أنفسنا… فهذه حكاية أخرى تمامًا.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في المكان الذي نقف فيه، وإنما في أننا ننظر باستمرار إلى مكان آخر. نقيس المسافة بدل أن نعيش الطريق، ونعدّ ما لم يحدث، وننسى أن الحياة ليست قائمة مغلقة، وأن الإنسان نفسه يتغير وهو يمضي فيها.
في تلك الليلة، أغلقت هاتفي مرة أخرى. لم أحصل على إجابة نهائية، لكن السؤال صار أخف.
متأخر عن ماذا؟
ربما لا أحتاج دائمًا إلى أن أصل إلى مكان محدد حتى أشعر أنني أمضي. يكفيني أن أعرف أن الطريق الذي أسير فيه الآن هو الطريق الذي اخترته أنا.