فن الأختلاف

مقال رأي

د. جواهر الروقي

2026-09-20T08:00:00.225Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يؤكد المقال أن كثيرًا من الخلافات بين الموظفين والموارد البشرية لا تعود إلى ظلم أو تعنت، بل إلى غياب الفهم لطبيعة الأدوار والصلاحيات والحدود النظامية لكل طرف. ويطرح أن النضج المهني يقوم على أن يعرف الموظف كيف يطالب بحقه ومن هي الجهة المخولة، وأن يستخدم أخصائي الموارد البشرية الأنظمة كمرجعية للشرح لا…

لفتتني عبارة تقول: «النقاش مع العاقل حوار، والحوار مع الجاهل خصام»، وكلما تأملتها وجدتها تلامس جانبًا متكررًا في بيئات العمل، وخصوصًا في العلاقة بين الموارد البشرية والموظفين؛ إذ إن كثيرًا من الخلافات التي تبدأ بسؤال أو استفسار مشروع لا تكون في حقيقتها خلافًا على الحق، بقدر ما تكون نتيجة لاختلاف في الفهم والإدراك لطبيعة الأدوار والصلاحيات.

في الموارد البشرية، قد يأتي الموظف مطالبًا بأمر يراه حقًا مكتسبًا، وقد تكون المطالبة منطقية من وجهة نظره، وهنا تبدأ مسؤولية المختص في الاستماع أولًا ثم التوضيح؛ فالموظف ليس بالضرورة مخطئًا لأنه سأل، والموارد البشرية ليست بالضرورة متعنتة لأنها لم تستجب ، هناك أنظمة تحكم، ولوائح تنظم، وسياسات داخلية، وصلاحيات إدارية تحدد من يملك القرار ومن يملك التوصية ومن يملك التنفيذ ، وحين يكون الطرفان مدركين لهذه الحدود، يصبح النقاش مساحة للإثراء، حتى وإن اختلفت وجهات النظر.

المشكلة لا تبدأ من الاختلاف، وإنما تبدأ حين يغيب فهم طبيعة الاختلاف ، فعندما يعتقد الموظف أن كل ما يراه مناسبًا يجب أن يتحول إلى قرار، أو حين تتعامل الموارد البشرية مع كل سؤال وكأنه اعتراض على سلطتها، ينتقل الحوار تدريجيًا من البحث عن الفهم إلى محاولة إثبات الموقف، ومن هنا تبدأ المسافة بين الحوار والخصام في الاتساع.

وأعتقد أن جزءًا كبيرًا من النضج المهني يكمن في أن يعرف كل طرف حدوده قبل حقوقه ، فالموظف الواعي لا يعرف فقط ما يستحقه، وإنما يعرف أيضًا كيف يطالب به، ومن الجهة المخولة بالنظر فيه، وما الذي يدخل ضمن صلاحياتها وما الذي يتجاوزها ، وفي المقابل، فإن أخصائي الموارد البشرية الناضج لا يستخدم النظام كحاجز يغلق به باب النقاش، وإنما يستخدمه كمرجعية يشرح من خلالها للموظف سبب القرار، ويفصل بين ما تسمح به الأنظمة وما تسمح به السياسة الداخلية، وما يقع ضمن صلاحياته وما يحتاج إلى اعتماد جهة أخرى.

وهنا تظهر قيمة الحوار الحقيقي؛ فليس شرطًا أن ينتهي الحوار بأن يحصل الموظف على ما طلبه، كما أنه ليس شرطًا أن تنتهي المناقشة بأن تثبت الموارد البشرية صحة موقفها. قد يخرج الموظف من الحوار دون أن تتغير النتيجة، لكنه يفهم أسبابها، وقد تكتشف الموارد البشرية من خلال سؤال الموظف ثغرة في إجراء أو غموضًا في سياسة تحتاج إلى مزيد من التوضيح ، وفي الحالتين يكون الحوار قد أدى وظيفته؛ لأنه أضاف فهمًا بدل أن يضيف خصومة.

ولعل أكثر ما تحتاجه بيئات العمل اليوم هو أن نعيد تعريف الاختلاف. فالاختلاف ليس تحديًا للسلطة، والسؤال ليس تمردًا، والاعتراض ليس إساءة، وفي المقابل فإن عدم الحصول على المطالبة لا يعني ظلمًا، واختلاف الموظف مع قرار الموارد البشرية لا يعني بالضرورة أن القرار خاطئ ، نحن بحاجة إلى أن نفصل بين القرار وصاحبه، وبين الحق وطريقة المطالبة به، وبين الصلاحية والرغبة؛ لأن الخلط بينها هو الذي يحول كثيرًا من المواقف البسيطة إلى نزاعات كان يمكن أن تنتهي بحوار مهني هادئ.

وفي تقديري، فإن قوة الموارد البشرية لا تظهر عندما تستطيع إنهاء النقاش، وإنما عندما تستطيع إدارته. فالموظف قد ينسى القرار الذي صدر بحقه، لكنه غالبًا لا ينسى الطريقة التي عومل بها أثناء مناقشة ذلك القرار ، لذلك فإن الاحتراف الحقيقي لا يكمن فقط في معرفة النظام، بل في القدرة على شرحه، ولا يكمن فقط في تطبيق السياسة، بل في إيصال سبب تطبيقها، ولا يكمن فقط في حماية المنظمة، بل في حماية العلاقة الإنسانية داخلها.

وفي المقابل، فإن الموظف الواعي هو من يدرك أن الحوار المهني ليس ساحة لإثبات الانتصار، وإنما وسيلة للوصول إلى الفهم ، قد تختلف مع الموارد البشرية، وقد ترى أن لديك وجهة نظر أقوى، وهذا حقك، لكن طريقة طرحك لهذا الاختلاف هي التي تحدد ما إذا كان الحوار سيقود إلى معالجة وإثراء، أم سيتحول إلى خصام يستنزف الطرفين دون أن يغير النتيجة.

لذلك ربما تكون العبارة الأعمق التي يمكن أن نخرج بها من هذا كله أن العاقل حين يختلف يبحث عن الحقيقة، أما من يدخل الحوار وهو يبحث عن الانتصار فلن يخرج منه غالبًا إلا بخصومة.

وفي بيئة العمل، لا نحتاج دائمًا إلى أن يتفق الجميع، بقدر حاجتنا إلى أن يتعلم الجميع كيف يختلفون باحترام، وكيف يعرف كل طرف حدود دوره وصلاحياته، وكيف تبقى العلاقة المهنية سليمة حتى عندما لا تكون النتيجة التي نريدها هي النتيجة التي حصلنا عليها ، فالحوار الناضج لا يعني أن نتفق دائمًا، وإنما يعني أن نستطيع أن نختلف دون أن نخسر بعضنا.