اكتشاف علمي يفسر تحوّل الأرض من عالم دافئ إلى كوكب جليدي بعد انقراض الديناصورات
Email Agent
توصل فريق بحثي دولي إلى تفسير علمي جديد يوضح كيف تحوّل مناخ الأرض خلال 66 مليون عام، من عالم استوائي دافئ أعقب انقراض الديناصورات إلى كوكب مغطى بالجليد، عبر تغيّرات كيميائية عميقة في المحيطات مرتبطة بانخفاض كبير في مستويات الكالسيوم المذاب.
كشف فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون عن آلية جديدة تفسّر التحول المناخي الكبير الذي شهدته الأرض منذ انقراض الديناصورات قبل نحو 66 مليون سنة، عندما تحولت من عالم استوائي دافئ إلى كوكب مغطى بالجليد.
وأظهر البحث، الذي شارك فيه علماء من الصين والولايات المتحدة وإسرائيل والدنمارك وألمانيا وبلجيكا وهولندا، أن مستويات الكالسيوم المذاب في مياه البحار والمحيطات انخفضت بأكثر من 50% على مدى الـ66 مليون سنة الماضية.
وجاء هذا الاكتشاف بعد دراسة مفصلة لأحافير كائنات بحرية مجهرية تُعرف بالمنخربات أو المثقبات (Foraminifera)، جرى استخراجها من طبقات رواسب قاع البحر، حيث شكّلت هذه الأحافير سجلاً كيميائياً دقيقاً لتاريخ المحيطات.
وأظهر التحليل أن هذا الانخفاض الحاد في تركيز الكالسيوم لم يكن مجرد تغير اعتيادي، بل أدى إلى تحول جذري في طريقة عمل المحيطات. ففي الماضي السحيق، عندما كانت المياه غنية بالكالسيوم، كانت المحيطات تُعد مصدراً لثاني أكسيد الكربون، تطلقه إلى الغلاف الجوي. لكن مع تناقص الكالسيوم تدريجياً، تحولت المحيطات إلى "مصائد كربون" فعالة، تمتص الغاز من الجو وتخزنه في رواسب قاع البحر.
هذا التحول الكيميائي انعكس مباشرة على مناخ الأرض؛ فثاني أكسيد الكربون، بوصفه غازاً دفيئاً محورياً، يعمل كغطاء يحتفظ بالحرارة حول الكوكب. ومع شروع المحيطات في سحب هذا الغاز من الغلاف الجوي وانخفاض مستوياته، بدأت درجات حرارة الأرض في التراجع تدريجياً، حتى انخفض المتوسط العالمي بما يصل إلى 15–20 درجة مئوية على المدى الطويل.
ويقول الدكتور ديفيد إيفانز، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن نتائج الفريق تظهر أن مستويات الكالسيوم الذائب في المحيطات كانت في بداية حقبة الحياة الحديثة (Cenozoic) أعلى بنحو الضعف مقارنة بما هي عليه اليوم. ويوضح أن المحيطات عندما كانت غنية بالكالسيوم كانت تطلق ثاني أكسيد الكربون في الهواء، لكن مع انخفاض هذه المستويات تحولت إلى خزّان يمتص الغاز من الغلاف الجوي، ليتبع ذلك انخفاض واضح في حرارة الكوكب.
وبقي السؤال الرئيس: ما السبب في هذا الانخفاض الكبير في كالسيوم المحيطات؟ يربط الباحثون ذلك بالعمليات الجيولوجية العميقة، إذ اكتشفوا تطابقاً زمنياً دقيقاً بين تراجع مستويات الكالسيوم وتباطؤ عملية "انتشار قاع البحر"، وهي العملية البركانية التي تُكوِّن باستمرار قيعاناً محيطية جديدة.
ويوضح البروفيسور يائير روزنتال من جامعة روتجرز أن تباطؤ معدل إنتاج قاع البحر غيّر نمط التبادل الكيميائي بين الصخور ومياه البحر، ما أدى بمرور ملايين السنين إلى انخفاض تدريجي في تراكيز الكالسيوم المذاب.
وتعيد هذه النتائج رسم الصورة التقليدية لكيمياء المحيطات؛ فبدلاً من اعتبارها متغيراً تابعاً للتغيرات المناخية فقط، تشير الأدلة الجديدة إلى أن كيمياء المياه نفسها كانت عاملاً نشطاً ومحركاً أساسياً للتغير المناخي على المدى البعيد.
كما يفتح هذا الفهم الباب أمام تفسيرات أوسع للتحولات المناخية الكبرى الأخرى في تاريخ الأرض، مسلطاً الضوء على الترابط المعقد بين العمليات الجيولوجية في باطن الكوكب وكيمياء المحيطات ومناخ السطح.
وتبرز الدراسة كيف يمكن أن تؤدي تغيّرات بطيئة للغاية وغير ملحوظة على مدى ملايين السنين إلى إعادة تشكيل مناخ كوكب بأكمله، مؤكدة أن فهم تاريخ مناخ الأرض يتطلب النظر إلى النظام الكوكبي كمنظومة واحدة متكاملة، تتداخل فيها العمليات الجيولوجية والكيميائية والبيولوجية لتحديد مسار الكوكب ومستقبله.
وبحسب موقع scitechdaily.com، الذي استعرض تفاصيل هذه الدراسة، فإن نتائج البحث توفر إطاراً جديداً لفهم كيفية استجابة نظام الأرض العميق للتغيرات طويلة الأمد، وما يعنيه ذلك في قراءة مسار المناخ في الحاضر والمستقبل.