حرب إيران تربك صناعة السفر العالمية وتُهدد سياحة الخليج بخسائر فادحة
حذّر الخبير الدولي في مؤشرات السياحة العالمية الدكتور سعيد البطوطي من أزمة حادة تضرب قطاع السفر والسياحة عالمياً، إثر الحرب في إيران وتداعياتها على المنطقة، مؤكداً أن دول مجلس التعاون الخليجي في صدارة المتضررين وأن خسائر إنفاق السائحين في الشرق الأوسط قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات خلال 202…
أكد الدكتور سعيد البطوطي، رئيس المجموعة الاستشارية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة وأحد الخبراء الأكاديميين المتخصصين في تحليل توجه مؤشرات السياحة العالمية، أن الحرب في إيران تسببت في أزمة حادة وصدمة لقطاع السياحة على مستوى العالم، وألقت بظلالها الثقيلة على بورصة برلين الدولية للسياحة التي انتهت أعمالها الخميس 5 مارس 2026.
وأشار إلى أن أجواء أكبر معرض للسفر والسياحة في العالم سادها الاضطراب وعدم اليقين والمخاوف، خصوصاً في ما يتعلق بسوق الخليج العربي ذي الأهمية المحورية لقطاع السفر الدولي، ولأهمية المنطقة لإمدادات الطاقة العالمية.
وأوضح البطوطي أن إغلاق المجال الجوي وتوقف حركة النقل الجوي في مراكز رئيسية مثل دبي والدوحة وأبوظبي، وتعطل السفن السياحية، خلق حالة من عدم اليقين تخيم على مئات الآلاف من المسافرين، في ظل تحذيرات سفر صدرت تجاه عدة دول في المنطقة.
وأضاف أن ما لا يقل عن 20 ألف رحلة جوية من وإلى الشرق الأوسط أُلغيت منذ الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما أثّر على أكثر من مليون شخص جراء عمليات الإلغاء وإغلاق المجال الجوي، وتجمّد دور المنطقة كحلقة وصل رئيسية بين أوروبا وآسيا وإفريقيا.
وتبعاً لذلك، أصدرت وزارة الخارجية الألمانية، وتبعتها عدة دول أوروبية، تحذيرات سفر إلى عدد من دول المنطقة هي: إيران، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، الأردن، المملكة العربية السعودية، اليمن، سلطنة عُمان، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، قطر، الكويت، العراق، سوريا، لبنان.
وبيّن أن مطارات الخليج الرئيسية أُغلقت أو قُلّصت عملياتها، وأن شركات الطيران ألغت رحلاتها إلى منطقة الخليج كلياً أو جزئياً، كما ألغت شركات السياحة برامجها إلى المنطقة، وتوقفت السفن السياحية عن العمل في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط.
ولفت البطوطي إلى أن هذه التطورات تمثل جزءاً من سلسلة متنامية من الصراعات التي أثرت في قطاع السياحة العالمي هذا العام، وتُظهر أن الشعوب البعيدة عن مناطق سقوط الصواريخ وهجمات الطائرات المسيّرة ليست بمنأى عن التداعيات الاقتصادية.
وأوضح أن أسعار المحروقات ارتفعت في عدة مناطق حول العالم، وبالتالي ارتفعت تكاليف النقل والشحن وأسعاره، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية. كما قفزت تكاليف تأمين السفر، حيث أصبحت وثائق التأمين باهظة الثمن وزادت قيمتها بنحو 18 ضعفاً خلال الأسبوع الأخير.
وأشار إلى أنه بعد أيام من الهجوم، دعت وزارة الخارجية الأمريكية مواطنيها في جزء كبير من المنطقة إلى المغادرة فوراً في ظل قلة الخيارات المتاحة، وأعلنت أنها تنظم رحلات طيران مستأجرة للمواطنين الأمريكيين الراغبين في العودة من السعودية وإسرائيل والإمارات وقطر.
وفي ظل تصاعد حدة الصراع الإيراني الأمريكي في الشرق الأوسط، لا تزال ست سفن سياحية تحمل على متنها نحو 15 ألف راكب وأكثر من 6 آلاف من أفراد الطاقم عالقة في موانئ الإمارات وقطر، بحسب البطوطي.
ووصف الخبير السياحي الحرب الإيرانية بأنها أشد الصراعات العسكرية هذا العام، وأنها واحدة من سلسلة عقبات تهدد الطلب على السفر وأرباح الفنادق وشركات الطيران والرحلات البحرية، فضلاً عن الاقتصادات المحلية التي تعتمد بشكل كبير على السفر، لا سيما السائحين الدوليين الذين يميلون إلى إنفاق مبالغ أكبر من السائحين المحليين.
وقال إن التكلفة الإجمالية لهذه النزاعات لا تزال قيد الحصر، بما في ذلك تكاليف الوقود الذي يعد من أكبر بنود الإنفاق لشركات الرحلات البحرية وشركات الطيران إلى جانب أجور العمال، وعادة ما تُحمَّل تلك التكاليف على المستهلكين، ما يعني احتمالية ارتفاع أسعار التذاكر وتكاليف الإقامة الفندقية.
وكشف البطوطي عن تقديرات مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية الذي وضع سيناريوهين لتأثير الصراع في الشرق الأوسط على السياحة خلال عام 2026.
السيناريو الأول: حل مبكر
يفترض هذا السيناريو أن الحرب ستستمر لمدة من أسبوع إلى ثلاثة أسابيع، ويتوقع انخفاض عدد السائحين الوافدين إلى منطقة الشرق الأوسط بنسبة 11% على أساس سنوي في عام 2026؛ ما يعني خسارة 23 مليون زائر دولي مقارنة بخط الأساس المعتمد في ديسمبر الماضي. ومن حيث الإنفاق، يعادل ذلك خسارة قدرها 34 مليار دولار أمريكي في العام الحالي.
السيناريو الثاني: صراع ممتد
يستند هذا السيناريو إلى افتراض أن القتال سيستمر لمدة شهر إلى شهرين، ويتوقع خسائر أكبر بنحو 38 مليون زائر دولي في عام 2026، ما يمثل انخفاضاً بنسبة 27% على أساس سنوي، ويقابله انخفاض في الإنفاق السياحي بقيمة 56 مليار دولار أمريكي خلال العام نفسه.
وأشار إلى أن قطاع السياحة، الذي يغذي الاقتصاد العالمي بما قيمته 11.7 تريليون دولار سنوياً وفقاً لآخر بيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC)، أصبح مهدداً الآن، مع مخاوف واسعة من امتداد أمد الحرب أو تطورها إلى صراع أوسع نطاقاً.
وبيّن أن دول الخليج هي الأكثر تضرراً، وأن دول مجلس التعاون الخليجي ستسجل أكبر الخسائر لكونها الوجهات السياحية الرئيسية في المنطقة، والتي بنت ميزتها التنافسية خلال السنوات الماضية على معايير الأمان والاستقرار.
وأضاف أن الشرق الأوسط يعد مركزاً عالمياً رئيسياً للعبور، حيث تمثل مطاراته نحو 14% من حركة العبور الدولية العالمية، وهو ما يعني أن تعطّل الحركة في المنطقة سيؤدي حتماً إلى آثار جانبية تمتد خارج حدودها.
ووفقاً للخبير، تستقبل دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 70 مليون سائح دولي سنوياً، ويُعد قطاع السياحة فيها أحد الركائز الأساسية للتنويع الاقتصادي، إذ بلغت الإيرادات السياحية في المنطقة 120.2 مليار دولار أمريكي.
وقدّر البطوطي أن الحرب في إيران سوف تتسبب في خسارة نحو 50 مليار دولار أمريكي من إنفاق السائحين في المنطقة، نتيجة انخفاض متوقع في عدد السائحين بنحو 35 مليون سائح دولي، ما يضع صناعة السياحة والسفر في الخليج أمام تحديات استثنائية خلال العام الجاري.