علّموهم، فهّموهم..
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يؤكد المقال أنّ ذكرى توحيد المملكة العربية السعودية تذكيرٌ بتاريخٍ طويل من التضحيات التي بذلها الأجداد لتحقيق وحدة الوطن وأمنه واستقراره، وأن ما يعيشه الجيل الحالي من نعمة الأمن والوحدة لم يأتِ من فراغ. ويدعو الكاتب إلى تربية الأبناء على فهم ثمن هذا الوطن ومعرفة تاريخه وثوابته، حتى يدركوا مسؤوليتهم…
اليوم يا وطني الأغر، يا درة المجد التليد، وقبلة الإسلام، ومهوى الأفئدة الطائعة.. تعود ذكرى توحيدك، وقد قاربت قرنًا من الزمان تحت راية التوحيد؛ دولةٌ جمعت الشتات، ووحّدت الأرض، وأقامت من بعد الفرقة وطنًا عظيمًا.
اليوم يتردد في أرجائك: «سارعي للمجد والعلياء»، بأفواه أجيالٍ وُلدت على أرضٍ موحدة، وفتحت أعينها على وطنٍ آمن، حتى غدا الأمن في أعينها من بدهيات الحياة؛ وما درت كم وراء هذا الاستقرار من تاريخٍ طويل، وبذلٍ عظيم، حتى صار لهذا الوطن حدوده الراسخة، ورايته الخفاقة، ومكانته التي يعرفها العالم.
وهنا تكمن مسؤوليتنا..
علّموهم أن السعودية التي يرونها اليوم لم تولد من فراغ، وأن الوحدة التي ينعمون بها لم تكن قدرًا سهلًا؛ فقد عرف أجدادهم شتات الأرض، وقسوة الطريق، وخوف المسافر، وشظف العيش، ثم أهدفوا نحورهم لرماح العدو، وبذلوا دماءهم وأرواحهم حتى أذن الله لهذه البلاد أن تجتمع بعد فرقة، وتأمن بعد خوف، وتتوحّد تحت راية واحدة.
وفهّموهم أن هذا الوطن لم يكن بمنأى عن عواصف المنطقة وتقلباتها؛ مرّت حوله موجات القومية العربية، وتعالت شعارات الاشتراكية، وانتشرت الماركسية بمذاهبها الثورية، ثم جاءت جماعات الإسلام السياسي بمشروعاتها المختلفة؛ وكل تيارٍ يظن في لحظة صعوده أن التاريخ قد استقر له، وأن المستقبل لن يكون إلا على الصورة التي يرسمها.
ثم تبدلت الأزمنة، وخفتت الشعارات، وتراجعت التنظيمات، وسقطت التجارب، وذهبت الرهانات أدراج الرياح؛ وبقيت المملكة -بفضل الله- راسخةً في أرضها، مستمسكةً بأصلها، تستمد هويتها من عقيدتها وتاريخها، لا من أيديولوجيا عابرة، ولا من شعارٍ يولد في زمن ثم يأفل في آخر.
وهنا درس التاريخ: الأوطان لا يحفظها ضجيج الشعارات، بل وحدةٌ يعرف أهلها قدرها، وهويةٌ تضرب جذورها في الأرض، ودولةٌ تعرف من أين جاءت وإلى أين تمضي.
لقد مرّت على هذه البلاد أزمات، وأحاطت بها الحروب، واضطرب من حولها الإقليم؛ لكنها عبرت ذلك كله وطنًا موحدًا، يحرس أمنه، ويصون سيادته، ويذود عن مقدساته، دون أن يسمح لصخب العابرين أن يبدّل ثوابته أو يقتلع جذوره.
فلا تعلّموا أبناءكم أسماء الذين راهنوا على سقوط وطنهم؛ علّموهم لماذا سقطت الرهانات وبقي الوطن.
وفهّموهم أن أخطر ما يصيب الأوطان أن يرث أبناؤها النعمة ولا يعرفوا ثمنها؛ أن يولدوا في الأمن فيظنوه عاديًا، وفي الوحدة فيحسبوها أمرًا أبديًا لا يحتاج إلى صيانة.
لهذا، لا تجعلوا اليوم الوطني مجرد رايةٍ ترفرف، أو نشيدٍ يُردد، أو ذكرى تعبر مع أيام سبتمبر..
علّموهم لماذا نرفع الراية، وفهّموهم كيف ارتفعت؛ علّموهم أن يحمدوا الله على وطنهم، وأن يعرفوا قدره، وأن يدركوا أن الحفاظ على الأوطان لا يقل شرفًا عن بنائها.
علّموهم ذلك؛ حتى لا يكونوا فريسةً لمن أراد أن ينزع من صدورهم يقينهم بوطنهم.
فمن عرف ثمن وطنه، عرف كيف يحفظه.