من «عين المفتش» إلى «منصات البيانات».. تحوّل الرقابة البيئية في المملكة
Email Agent
انتقلت منظومة التفتيش البيئي في المملكة من جولات فردية تعتمد على العين المجردة والنماذج الورقية، إلى نظام رقابي متكامل يقوده المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي، مدعومًا ببيانات لحظية وتقنيات حديثة كالمحطات الذكية والطائرات المسيّرة، بما يرفع موثوقية الرصد ويحمي أوساط البيئة وفق مستهدفات رؤية…
انتقلت قصة التفتيش البيئي في المملكة من مفتش يجوب المواقع بكاميرا ونماذج ورقية، يستجيب لبلاغات عن غبار أو انبعاثات ويصل متأخرًا ليوثّق ما تبقّى من الأثر، في وقت لم تكن فيه أنظمة للرصد ولا قواعد بيانات، فكانت العين هي الأداة والخبرة هي المعيار.
ومع بداية تطبيق النظام العام للبيئة عام 2002، تحوّل العمل من اجتهادات فردية إلى إطار مؤسسي أكثر تنظيمًا. كان المفتشون يقطعون عشرات الكيلومترات بين البوادي والمناطق النائية في ظروف محدودة السلامة، يعتمدون على المعاينة المباشرة وتدوين الملاحظات يدويًا قبل إعداد التقارير.
ويستعيد المهندس سليمان السنقوف، مستشار الرئيس التنفيذي في المركز، تلك البدايات بوصفها مرحلة كانت فيها الفرق تنطلق بعد البلاغ، وتتعامل مع النتيجة أكثر من السبب، في ظل غياب قواعد البيانات وأجهزة القياس الدقيقة. ويعكس كبير المفتشين خليل الحداد طبيعة العمل آنذاك، حيث كان المفتش هو الأداة الأساسية في منظومة رقابية محدودة الإمكانات.
تدريجيًا بدأت ملامح التطور؛ تم ابتعاث مختصين، وبُنيت كفاءات وطنية، واستُجلبت الخبرات من الخارج، ومرت المنظومة باختبارات بيئية صعبة وتحديات كبرى، ما قاد إلى إعادة ترتيب الأدوات وآليات العمل. لم يعد التفتيش مجرد استجابة متأخرة، بل اتجه ليصبح مسارًا مؤسسيًا قابلًا للتطوير المستمر.
وفي عام 2019، جرى تحديث نظام البيئة بما ينسجم مع أهداف رؤية السعودية 2030، لتبدأ مرحلة التخصص داخل منظومة تنظيمية جديدة تراعي التزامات المملكة في الاتفاقيات البيئية الدولية. وانطلق مركز الالتزام البيئي كأحد المراكز الوطنية الخمسة، معتمدًا على أنظمة إلكترونية حديثة نقلت التفتيش البيئي إلى مستوى أعلى من الموثوقية والشفافية، بهدف حماية أوساط البيئة الثلاثة: الماء والهواء والتربة.
وتبلورت آليات جديدة تحدد المخالفات وفق أثرها البيئي وتأثيرها في الكائنات الحية، مع مسارات واضحة للرصد والمتابعة. واختفت النماذج الورقية تدريجيًا لتحل محلها الشاشات والأنظمة الرقمية، وتحوّلت محطات الرصد المحدودة إلى شبكات أوسع تراقب الهواء والمياه والتربة بشكل لحظي.
وعلى السواحل، دخلت الطائرات المسيّرة والعوامات الذكية على خط الرقابة، لتحل محل الاعتماد على العين المجردة فقط، وتضيف مستوى أعلى من الدقة في رصد الملوثات والأنشطة ذات الأثر البيئي.
ويشير كبير المفتشين خليل الحداد إلى أن سلوك المفتش تغيّر جذريًا؛ فلم يعد يزور جميع المواقع بالوتيرة نفسها، بل يحدد أولوياته بناءً على تحليل البيانات وتقييم المخاطر. ويوضح أن نظام التفتيش المطوّر بات يوجّه الجهود نحو المواقع الأكثر تأثيرًا، وأصبح قياس الأداء أكثر دقة في رصد الأثر السلبي على البيئة ومآلاته.
وفي الحاضر، أتاح نظام الرقابة البيئية مساحة أوسع للتعاون مع المنشآت ذات الأثر البيئي من خلال الرقابة الذاتية، عبر تقديم تقارير دورية وخطط تصحيح شاملة للمخالفات المتسببة في التلوث، بواسطة مقدمي خدمات مرخّصين من قبل المركز. وأسهم هذا التوجه في تحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للبيئة ورؤية 2030، عبر إشراك القطاع الخاص وخلق فرص استثمارية ووظائف نوعية للمواطنين.
وتستمر قصة التفتيش البيئي بالتطور عبر الاستفادة من التقنيات الحديثة للتنبؤ بوقوع الأثر البيئي قبل حدوثه، من خلال قراءة البيانات المرتبطة بأي نشاط ذي أثر سلبي محتمل. هكذا تغيّر المشهد؛ من عين تبحث عن المخالفة بعد وقوعها، إلى نظام شامل يحد من الضرر البيئي، ويعالج التدهور في مقدرات المملكة الطبيعية، ويرفع جودة الحياة للإنسان، منتقلاً من خطوة متأخرة إلى قرار يسبق الحدث.