الزبيل.. حرفة تراثية من خوص النخيل ترافق مواسم جني التمور في المملكة
يستعرض الخبر مكانة "الزبيل" كوعاء تراثي يصنع من سعف وخوص النخيل، ويعد جزءًا أساسيًا من حياة المزارعين قديمًا، خصوصًا في مواسم جني التمور، حيث استخدم في جمعها ونقلها وتخزينها بأحجام مختلفة للاستخدامات الزراعية والمنزلية. ويوضح المزارع صالح الحسين أنّ صناعة "الزبيل" تمر بمراحل يدوية متقنة تبدأ بتجهيز…
يُعد "الزبيل" من الأدوات التراثية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنخلة ومواسم التمور، إذ كان في الماضي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في البيئات الزراعية، ولا سيما في المناطق التي اشتهرت بزراعة النخيل وإنتاج التمور، ويعرف "الزبيل" بأنه وعاء تراثي يُصنع أساسًا من خوص وسعف النخيل، وغالبًا ما يأتي في شكل دائري أو بيضاوي، مع قاعدة تساعده على الثبات، وقد يُزوّد بعروتين أو أكثر لتسهيل حمله.
وصنع الأجداد "الزبيل" من سعف النخيل وخوصه بمهارة يدوية متوارثة، ليكون وعاءً خفيفًا ومتينًا يستخدم في جمع التمور ونقلها وحملها، كما استُخدم في أغراض منزلية وزراعية متعددة، وقد ارتبط "الزبيل" على وجه الخصوص بموسم صرام النخيل، عندما كانت الأسر تتوجه إلى المزارع لجني محصولها من التمور.
وتختلف أحجام "الزبيل" بحسب الغرض الذي صُنع من أجله، فهناك الأحجام الكبيرة التي استخدمت لحمل التمور والمنتجات الزراعية، وأخرى متوسطة وصغيرة للاستخدامات المنزلية، و"الزبيل" كان من الأدوات اليومية في البيوت والأسواق القديمة، وتنوعت أحجامه وفق الاستخدام.
ولم تكن النخلة قديمًا مجرد شجرة تنتج التمر، بل كانت مصدرًا للغذاء ومواد البناء والأدوات المنزلية والحرف اليدوية، ومن سعفها وخوصها صُنعت أدوات كثيرة، كان من أبرزها "الزبيل"، حيث ارتبط ارتباطًا مباشرًا بموسم جني التمور، فعند نضج التمر كان المزارعون يجمعونه من النخيل ثم يضعونه في "الزبيل" لنقله من المزرعة إلى المنزل أو إلى أماكن التخزين، وتوثق روايات الحياة الزراعية القديمة استخدام "الزبيل" المصنوع من سعف النخيل لجمع التمر بعد جني العذوق وحمله إلى المنازل، وهكذا أصبح "الزبيل" جزءًا من دورة إنتاج التمر نفسها، بدءًا من جني المحصول، مرورًا بجمعه ونقله، وانتهاءً بتخزينه أو عرضه وبيعه.
وفي لقاء لـ "واس" مع المزارع صالح الحسين أكد أن صناعة "الزبيل" تعتمد على مواد متوفرة في البيئة المحلية، وفي مقدمتها سعف النخيل، وخوص النخيل الأبيض بعد تجهيزه، وليف النخيل، خصوصًا لصناعة الحبال والعُرى، وخيوط أو مواد طبيعية للتثبيت والزخرفة في بعض الأنواع، والاستفادة من أجزاء النخلة مثالًا واضحًا على الاقتصاد في الموارد، فكل جزء تقريبًا من النخلة كان يجد له استخدامًا في حياة الإنسان قديمًا.
وتمر صناعة "الزبيل" التقليدي بعدة مراحل، تبدأ بتجهيز الخامة، وتنتهي بتشكيل الوعاء، حيث يُجمع السعف المناسب من النخيل، ثم يُنظف من الشوائب والأجزاء غير الصالحة للاستخدام، ثم يُجهز الخوص بحسب طريقة الصناعة المطلوبة، وقد يُعرّض للشمس حتى يجف ويتحول إلى اللون الأبيض، كما يمكن تليينه بالماء حتى يصبح أكثر مرونة وسهولة في التشكيل.
وتشتمل صناعة الخوصيات على عدة مراحل عملية تبدأ بجمع الخوص وتنظيفه، ثم نقعه في الماء لتليينه، وبعد ذلك تقطيعه إلى شرائح مناسبة للمنتج، وتُضفّر شرائح الخوص يدويًا بطريقة متقنة، وتُشكّل في شرائط أو حزم متماسكة بحسب التصميم المطلوب، وبعد إعداد الخوص المضفور، يبدأ الحرفي في تشكيله بصورة دائرية أو متدرجة، حتى يأخذ الزبيل شكله النهائي، ثم تُثبت أجزاء الزبيل وتُخاط يدويًا باستخدام أدوات تقليدية، مع الاستعانة بحبال مصنوعة من ليف النخيل أو خوصه، وفي بعض الأنواع تُضاف عروتان جانبيتان أو أكثر لتسهيل الحمل، وكانت العُرى تُصنع من الحبال المفتولة من ليف النخيل.
وتظل صناعة "الزبيل" واحدة من أقدم الموروثات المرتبطة ببيئة النخيل في المملكة والذاكرة الشعبية، وتجسد الاهتمام المجتمعي بتراثهم الأصيل، وتنقل مهارات صناعتها من جيل إلى جيل، إلى جانب حضوره في المتاحف والأسواق الشعبية والفعاليات التراثية واستخدامه في المناسبات الاجتماعية والوطنية.


