تجربة العميل.. من أول وعد إلى آخر انطباع
يوضح الدكتور محمود فاروق عبد الحليم أن تجربة العميل هي الانطباع المتكامل الذي يتكوّن لدى العميل عن المؤسسة عبر رحلة ممتدة من أول إعلان يراه وحتى ما بعد الدفع والاستلام، وأن جودة المنتج وحدها لا تكفي إذا شاب الرحلة تعقيد أو تكرار أو تأخير. ويؤكد أن تجربة العميل أوسع من خدمة العملاء وتشمل ما قبل الشكو…
قال الدكتور محمود فاروق عبد الحليم، المتخصص في تجربة العميل والتحول المؤسسي: «قبل أن تكمل القراءة، فكّر قليلًا في يومك. ربما فتحت تطبيقًا لإنجاز معاملة، أو اشتريت قهوتك، أو اتصلت بجهة لتسأل عن خدمة. في مواقف كهذه، نعيش ما يُسمى اليوم بـ«تجربة العميل»، حتى وإن لم نستخدم هذا المصطلح أو نفكر فيه».
وأوضح أن العبارة قد توحي للوهلة الأولى بأن المقصود هو تجربة أو اختبار منتج أو خدمة، لكن تعريف جمعية محترفي تجربة العميل العالمية CXPA يأخذنا إلى معنى مختلف قليلًا؛ فتجربة العميل هي التصور الذي يتكون لديه عن المؤسسة نتيجة تفاعلاته معها عبر نقاط التواصل والأشخاص والتقنية مع مرور الوقت. أي أن التجربة لا تبدأ بالضرورة عند الشراء، ولا تنتهي بمجرد حصوله على المنتج.
وقد يشتري العميل منتجًا ممتازًا، لكن الوصول إليه كان متعبًا، أو يدخل فندقًا رائعًا ويقضي وقتًا طويلًا في إجراءات الدخول، أو يستخدم تطبيقًا حديثًا يطلب منه معلومات سبق أن أدخلها. وفي حالات أخرى، قد تُحل المشكلة فعلًا، لكن بعد أن يضطر إلى شرحها أكثر من مرة. وهنا، يؤكد الدكتور محمود أن جودة المنتج، على أهميتها، لا تمحو ما جرى حوله.
فالإنسان، كما يشير، لا يطلب الكثير؛ يريد أن يعرف ماذا سيحدث، وأن يجد المعلومات التي يحتاج إليها، وأن يحصل على ما وُعد به من دون أن تستهلك الإجراءات وقته وطاقته.
وتبدأ هذه التجربة أحيانًا قبل أن يفكر العميل جديًا في الشراء، ربما من إعلان رآه، ثم يدخل الموقع، ويسأل، ويزور المكان، ويتعامل مع موظف، إلى أن يصل في مرحلة ما إلى قرار الشراء. وبعد ذلك تبدأ تجربة أخرى مع الدفع والاستلام وما يأتي بعدهما.
وأوضح الدكتور محمود أن هذه المراحل مجتمعة تُسمى في مجال تجربة العميل «رحلة العميل»، وتتضمن نقاط اتصال عديدة؛ فقد تكون نقطة الاتصال موظفًا، أو تطبيقًا، أو رسالة تصل إلى الهاتف، أو حتى فترة انتظار لا يحدث فيها شيء.
ومن هنا تظهر مشكلة يعرف أن كثيرًا من العملاء عاشوها؛ فالشركات موزعة إلى إدارات، أما العميل فلا يتعامل معها بهذه الطريقة. هو لا يعرف أين تنتهي مسؤولية المبيعات وأين تبدأ مسؤولية المالية أو التقنية، ولا يُفترض أصلًا أن يعرف. وعندما يسمع معلومة من الموظف ثم يجد غيرها في الموقع، أو يضطر إلى الاتصال بجهة أخرى ليكمل ما بدأه مع الجهة الأولى، فإن كل ذلك يُسجل في ذهنه باسم الشركة نفسها.
وضرب الدكتور محمود مثالًا بما حدث بين Apple وAmazon في عام 2000، عندما حصلت Apple على ترخيص لاستخدام تقنية الشراء بنقرة واحدة «1-Click» في متجرها الإلكتروني. وقال ستيف جوبز عند إعلان الاتفاق إن ذلك سيجعل تجربة الشراء أسهل وأسرع لعملاء Apple. ورغم أن الفكرة تبدو عادية اليوم، فإنها لم تكن كذلك وقتها.
ولم تكن قيمة «النقرة الواحدة» في النقرة نفسها، بل في الخطوات التي اختفت قبلها؛ فالعميل الذي سبق أن أدخل معلومات الدفع والشحن لم يعد مضطرًا إلى تكرارها في كل عملية شراء.
وهنا، يشير الدكتور محمود إلى فكرة بسيطة في جوهرها: تحسين التجربة لا يحتاج دائمًا إلى إضافة شيء جديد. أحيانًا يكون التحسين في خطوة حُذفت، أو انتظار اختفى، أو معلومة لم نطلب من العميل أن يعيدها مرة أخرى.
ويكثر في هذا السياق الخلط بين تجربة العميل وخدمة العملاء. ويوضح الدكتور محمود أن خدمة العملاء ليست سوى جزء من الصورة؛ فهي تظهر عندما يسأل العميل، أو يحتاج إلى مساعدة، أو يقدم شكوى، بينما تجربة العميل أوسع من ذلك، لأنها تشمل ما حدث قبل تلك اللحظة وما سيحدث بعدها.
ولذلك، قد يكون موظف خدمة العملاء متعاونًا جدًا، ومع ذلك يخرج العميل غير راضٍ، لأن النظام بطيء، أو لأن الموظف نفسه لا يملك الصلاحية التي يحتاج إليها لحل المشكلة.
وهذا يقود، بحسب الدكتور محمود، إلى جانب لا يقل أهمية عن العميل نفسه، وهو الموظف الذي يخدمه. فمن الصعب أن يقدم الموظف خدمة سهلة للعميل بينما يعمل هو وسط إجراءات مرهقة في المقام الأول.
وتُعد ريتز كارلتون من أشهر الأمثلة في هذا الجانب، إذ أتاحت لموظفيها صلاحية استخدام ما يصل إلى 2000 دولار للحالة الواحدة لمعالجة موقف مع أحد الضيوف دون انتظار موافقة المدير، والهدف أن يتمكن الموظف من التصرف فورًا عندما يحتاج الضيف إلى حل.
وأكد الدكتور محمود أن تجربة العميل لم تعد مرتبطة فقط بجودة الخدمة أو رضا العميل، بل أصبحت اليوم قضية تجارية أيضًا. ففي دراسة عالمية حديثة لـQualtrics شملت أكثر من 20 ألف مستهلك، كانت نحو 11% من التجارب التي رصدتها الدراسة تجارب سيئة، وأدت 47% من تلك التجارب إلى تقليص العميل لإنفاقه. وتقدر Qualtrics أن قرابة ثلاثة تريليونات دولار من المبيعات عالميًا معرضة للخطر في 2026 بسبب تجارب العملاء السيئة.
أما Forrester، فقد اعتمد مؤشرها العالمي لتجربة العميل لعام 2026 على آراء أكثر من 224 ألف عميل تجاه 462 علامة تجارية في 13 دولة. ورغم ضخامة الدراسة، يرى الدكتور محمود أن الفكرة التي تدور حولها يمكن فهمها بسهولة من خلال ثلاثة أسئلة: هل حصل العميل على ما جاء من أجله؟ كم كان الطريق إليه سهلًا؟ وماذا تركت التجربة لديه من شعور؟
وفي السعودية، أصبح هذا الاهتمام ظاهرًا أيضًا عبر قطاعات مختلفة. فقد اعتمدت دراسة KPMG السعودية لتجربة العميل على آراء 1,531 مستهلكًا، وشملت عشرة قطاعات، من السفر والفنادق والتجزئة إلى الاتصالات والخدمات المالية والسيارات وغيرها.
ولفت الدكتور محمود إلى مفهوم ورد في تقرير KPMG يُسمى «انتقال التوقعات»، موضحًا أن فكرته، ببساطة، تقوم على أن العميل لا يضع كل قطاع في صندوق منفصل. فعندما يعتاد على تطبيق بنكي سهل، يتوقع سهولة قريبة منها عندما يحجز فندقًا أو يطلب خدمة أخرى. كما أن تجربته الممتازة مع شركة في قطاع بعيد قد تصبح المعيار الذي يحاكم به شركتك.
ولهذا، لم يعد المنافس الوحيد هو الشركة التي تبيع المنتج نفسه؛ فتوقع العميل نفسه أصبح منافسًا أيضًا.
ولمعرفة ما يعيشه العملاء، تمتلك المؤسسات وسائل كثيرة؛ فهي تستطلع رضاهم، وتراجع شكاواهم، وتستمع إلى ملاحظاتهم، وتستخدم برامج مثل المتسوق الخفي. لكن الدكتور محمود يؤكد أن إرسال الاستبيان لا يعني أن المؤسسة أصبحت تستمع إلى العميل، لأن السؤال الحقيقي يبدأ بعد وصول الإجابة: ماذا تغير بسبب ما قاله؟
وفي أول ثلاثاء من أكتوبر من كل عام، يحتفل المختصون والمؤسسات في دول عديدة باليوم العالمي لتجربة العميل CX Day، الذي أطلقته جمعية محترفي تجربة العميل CXPA للمرة الأولى عام 2013، ويوافق هذا العام الثلاثاء 6 أكتوبر 2026.
ويرى الدكتور محمود أن الاحتفال بهذا اليوم ربما لا يحتاج إلى فعالية كبيرة بقدر حاجته إلى أن تجرب المؤسسة خدماتها كما يعيشها العميل فعلًا، وأن تطرح على نفسها أسئلة بسيطة: هل يعرف العميل ماذا سيحدث بعد أن يدفع؟ ماذا نفعل إذا تأخرنا عليه؟ لماذا نطلب منه المعلومة نفسها مرتين؟ وإذا حدث خطأ، هل يجد شخصًا يستطيع اتخاذ قرار، أم يجد شخصًا متعاونًا لا يملك سوى الاعتذار؟
واختتم الدكتور محمود فاروق عبد الحليم بالتأكيد على أن العميل قد ينسى الإعلان الذي جذبه، وربما ينسى اسم الموظف الذي قابله، لكنه لن ينسى الانطباع الذي خرج به.
«هل جعلتم حياته أسهل.. أم أصعب؟»