يوم المعلم... هل يكفيه يوم واحد؟
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يؤكد المقال أنّ دور المعلم يتجاوز شرح الدروس وتصحيح الواجبات إلى بناء شخصية الطالب، عبر نقل القيم والمهارات وطريقة التفكير بنحو غير مرئي يترك أثرًا عميقًا في المستقبل. ويشدد على أنّ بعض المعلمين مُلهِمون يغيّرون نظرة الطالب لنفسه ولمستقبله، وأن أداء هذا الدور يتطلب حفظ مكانة المعلم وعدم النيل من هيب…
نحتفل بالمعلم يومًا في السنة، وهو يعمل لنا كل أيام السنة.
ولهذا فيوم المعلم يومٌ لكل يوم؛ لأن ما يصنعه لا يحدث في مناسبة، وإنما يتكرر كل صباح، مع كل طالب.
والطالب يظن أن معلمه جاء ليشرح درسًا، ويصحح واجبًا، ويضع درجة، وهذا صحيح.
ولكنه أقل ما يفعله المعلم؛ فهو يمرر في أثناء ذلك أشياء لا تدخل الاختبار: مهارة، وخبرة، وسلوكًا، وطريقة في التفكير، ونظرة إلى الحياة.
يمررها دون أن يقول إنه يمررها: بنبرة صوته، وبطريقة إنصاته، وبعدله حين يوزع نظراته على الجالسين أمامه، وبابتسامته حين يتعثر أحدهم. هذا هو التعليم الذي لا يُرى، وهو الذي يصنع الشخصية.
ثم إن المعلم يرى في الطالب ما لا يراه الطالب في نفسه.
الطالب يرى نفسه اليوم، والمعلم يراه غدًا. يراه بعين الخبرة؛ فيلمح ميلًا، أو موهبة، أو ضعفًا، أو سلوكًا يعرف إلى أين ينتهي بصاحبه.
وكلمة واحدة منه تكفي: كلمة تلفت طالبًا إلى تخصص يناسبه، أو تنبهه إلى سلوك يؤذيه، أو تكشف له قدرة لم يكن يعرف أنها فيه.
ولكن الطالب لا يفهم ذلك دائمًا؛ فخبرته أقصر من خبرة وحكمة معلمه.
يحسب التنبيه تضييقًا، والتوجيه تشددًا.
ثم تجيء الأيام، وهي أحسن من يشرح، فتكشف له أن معلمه كان يرى أبعد مما يرى.
وبعض المعلمين أكثر من ذلك: مُلهِمون. لا يتركون في الطالب معلومة، وإنما يتركون أثرًا. والمعلومة تُنسى، أما المعلم الذي جعلك تثق بنفسك، أو ترى مستقبلك بصورة أخرى، فلا يُنسى.
ثم تمضي السنوات...
ويغادرون القاعة جميعًا: الطبيب والمهندس والإداري والتاجر وصاحب الحرفة. كلهم يمضون، ويبقى هو.
وكأنه صانع الأجنحة؛ يطير بها غيره، ويرتضي هو البقاء في مكانه ليصنع أجنحة أخرى لجيل قادم.
يودع جيلًا ويستقبل جيلًا. يصنع الطريق، ثم يترك الآخرين يسيرون فيه.
وهو لا يصنع ذلك كله وحده؛ فالبيت والمدرسة شريكان في بناء الإنسان. وما يبنيه أحدهما يحتاج إلى أن يسنده الآخر، لا أن يهدمه، ولا أن يقلل من قيمته.
ولا يستطيع المعلم أن يؤدي دوره مربيًا ومرشدًا وملهمًا إذا قللنا من مكانته، تصريحًا أو تلميحًا.
فالتوجيه يحتاج إلى ثقة، والثقة تضعف حين تسقط هيبة الموجِّه. وإسقاط هيبة المعلم أمام الأبناء في مجالس البيوت ليس انتصارًا للطالب؛ إنه كسرٌ للميزان الذي يتعلم به كيف يحترم الحياة وقوانينها.
ولذلك، ففي يوم المعلم لا يكفي أن نقول له: شكرًا. الشكر سهل.
الأصعب أن نتذكر مكانه ودوره، وأن نرسخهما في نفوس أبنائنا.
فالمعلم لا يكون معلمًا في يومه العالمي فقط.
يوم المعلم... يومٌ لكل يوم.