الأبعاد النفسية لتشخيص اضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه لدي البالغين
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يتناول المقال الأثر النفسي لتشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين، موضحًا كيف يفسّر التشخيص تجارب الطفولة والصعوبات السلوكية والانفعالية التي عاشها الفرد دون فهم. يركّز الكاتب على ثلاثة جوانب نفسية رئيسية تتأثر بالاضطراب: تقدير الذات الذي يتضرر نتيجة النقد المتكرر والتجارب السلبية، وال…
عند ملاحظة تجربة مرضاي البالغين مع تشخيص فرط الحركة و تشتت الانتباه، وجدتني أتأمل في الأبعاد النفسية لإدراك كنه هذا الاضطراب، و أثر الفهم على تجربة المريض النفسية. أسئلة مثل: لماذا كنت مختلفاً عن أقراني؟ لماذا كنت أنال النصيب الأكبر من العقاب في الفصل الدراسي أو في المنزل من قبلوالديّ؟ لماذا أواجه صعوبة شديدة في التحكم بانفعالاتي رغم معرفتي بشدّتها؟ و لماذا لا تنجح معظم محاولاتي في كبح هذه الاندفاعية؟ هذه التساؤلات ليست عابرة، بل هي أسئلة يكابدها الإنسان عمراً قبل أن يتوصل إلى جواب لها، فمالذي يرزح تحت وطأتها؟
عندما نتحدث عن اضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه، فنحن نشير إلى اضطراب نمائي بمعنى أنه لا يطرأ على الإنسان في مراحل لاحقة من عمره بشكل مفاجئ، بل يرتبط بنمو الدماغ في المراحل المبكرة من الطفولة. هذا الاضطراب يؤدي إلى صعوبة في تنظيم الحركة و الاندفاعية و الانتباه. و قد يستمر حتى ما بعد البلوغ بأشكال و أعراض مختلفة. عند البالغين و نتيجة التعايش مع الاضطراب دون تشخيص و علاج. فإن العديد من الجوانب النفسية تتآثر بشكل سلبي مع طول المعاناة، في هذا المقال سأستعرض ثلاثة مفاهيم تؤثر في نظرة المريض لذاته.
تقدير الذات:
يشير مفهوم تقدير الذات إلى نظرة الإنسان لنفسه و مدى رضاه عنها و شعوره بالكفاءة و التقدير. وهذا الجانب النفسي المهم الذي يشكل نظرة الفرد إلى ذاته و العالم من حوله يتأثر بشكل ملحوظ خلال المراحل العمرية للاضطراب، لارتباطه بجوانب متعددة في حياة الفرد ، و لطبيعة الاضطراب الذي يحعلالفرد أكثر عرضة للتعرض للانتقاد بحكم تصرفاته، حركة زائدة، اندفاع في الحديث أو السلوك، أو الشعور بالدونية نتيجة المقارنات المتكررة بينه و أقرانه سواء في السلوك، المستوى الأكاديمي أو حتي في جوانب الشخصية مثل الثبات الانفعالي.
تشير الدراسات إلى أن الأفراد المصابين باضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه أكثر عرضة لانخفاض تقدير الذات، ليس فقط بسبب الأعراض بحد ذاتها، بل نتيجة التراكمات الممتدة من النقد المتكرر و التجارب السلبية و الإخفاقات التي قد لا تعكس قدراتهم الحقيقية. ومع غياب التشخيص، يميل الفرد إلى تفسير هذه الصعوبات على أنها خلل شخصي أو قصور ذاتي، مما يعزز دائرة من جلد الذات و الإحباط. إلا أن فهم التشخيص يتيح إعادة صياغة هذه التجارب ضمن إطار أكثر واقعية، و يفتح المجال لإعادة بناء تقدير الذات بشكل تدريجي.
التعاطف مع الذات
لا يقتصر أثر التشخيص على إدراك الصعوبات، بل يمتد ليشمل طريقة تعامل الفرد مع نفسه. فالتعاطف مع الذات يشمل القدرة على النظر إلى الأخطاء و الإخفاقات بعين إنسانية، تتيح التعلم منها دون قسوة أو جلد للذات. و كثير من المرضى الذين يتم تشخيصهم يمرون بلحظة إدراك عميقة، يتحول فيها السؤال من " أنا المشكلة" إلى " المشكلة جزء مني، و لا تعرفني ككل ". هذا التحول في الإدراك رغم ما يبدو عليه من بساطة يحمل أثراً نفسياً كبيراً، إذ يسمح للفردبشكل تدريجي، بالتخلي عن سنوات من اللوم، و استبدالها بفهم أعمق لاحتياجاته النفسية.
الثقة بالنفس
تتأثر الثقة بالنفس بشكل وثيق بتجارب النجاح و الفشل التي يمر بها الفرد. ومع اضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه، قد تتكرر مواقف الإخفاق أو عدم إتمام المهام، مما ينعكس سلباً على شعور الفرد بقدرته على الإنجاز. إلا أن العلاج، سواء كان دوائياً أو سلوكياً، يسهم في تحسين القدرة على التنظيم و التركيز، مما ينعكس تدريجياً على تعزيز الثقة بالنفس. ومع كل تجربة نجاح، مهما كانت بسيطة، يبدأ الفرد في إعادة بناء صورته عن نفسه كشخص قادر، لا كشخص يعاني من عجز دائم.
ختاماً
لا تقتصر أهمية تشخيص اضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه عند البالغين في الخضوع للعلاج الدوائي أو الجلسات النفسية للأعراض المصاحبة، بل تمتد إلى فهم أكبر للذات. أن تمضي عمراً دون أن تمتلك تفسيراً لما يحدث، فهذا أشبه بالأحجية التي تتوصل أخيراً إلى تركيب أجزائها و حلها. إن من شأن التشخيص التخفيف من لوم الذات و إعادة النظر إلى الماضي بتحدياته و قرارته بعين الرحمة و التعاطف مع الذات.