المال السائب.. وقود حروب الوكلاء وابتزاز أمن المنطقة
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يحذّر المقال من "المال السائب" الذي ينفلت من الضمير الوطني فيتحول من أداة بناء إلى وقود للفوضى وحروب الوكلاء في المنطقة، عبر التمويل والتهريب وشراء النفوذ والمنابر، مع الاستشهاد بنماذج مثل الحوثيين وشبكات دعمهم المرتبطة بإيران، وتوظيف ملفات العراق ولبنان وسوريا واليمن في معادلة الأذرع والضغط الإقليم…
هو من لعب اللعبة القذرة، واشترى الذمم، وأدار المسرح من خلف ستاره لأربعة عقود. فمن هو؟
إنه المال السائب؛ المال حين يفلت من الضمير، ويضيع من بوصلة الوطن، ويدخل يدًا لا ترى في الثروة إلا قدرتها على شراء النفوذ والصمت والمنابر، ثم شراء الفوضى.
ليست الصواريخ أول الحكاية؛ إنها آخرها. قبلها تحويلٌ مالي، وشركة واجهة، ووسيطٌ لا يسأل عن مصدر المال ولا وجهته، ومنصةٌ تبيع الخوف، وممرُّ تهريب، ويدٌ محلية تضغط الزر. ومن يرى الدخان دون أن يسأل: من أشعل الحطب؟ ومن حمله؟ ومن كان ينتظر اتساع النار؟ فلن يفهم المشهد.
الثروة في أصلها أداة بناء، لا أداة خراب. وكما لخّص أرسطو: الثروة وسيلةٌ لغايةٍ أخرى، وليست غايةً بذاتها. فإذا تحولت إلى غايةٍ مستقلة، موّلت الذراع بدل أن تعلّم الطفل، وأطالت الحرب بدل أن تعمّر المدينة، واشترت المنبر بدل أن تبني الوعي. لذلك فخوارزمية الخراب في منطقتنا بسيطة: المال، ثم المال، ثم المال.
الحوثي ليس أزمةً يمنيةً محلية فحسب؛ إنه يدٌ منفذة في مشروعٍ يستعمل الجغرافيا والسلاح لابتزاز المنطقة. فاستهداف المدن والمنشآت والملاحة يضع البحر الأحمر وباب المندب والطاقة في قلب المعركة. وقد أدانت جهات دولية الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية والمنشآت المدنية والاقتصادية بوصفها تصعيدًا خطيرًا.
ولا تصنع اليد المنفذة هذا الخطر وحدها؛ فالسلاح والخبرة والتهريب والتمويل لا تولد تلقائيًا في الجبال. ولهذا استهدفت عقوبات أميركية معلنة شبكاتٍ مرتبطة بالحوثيين في نقل النفط والسلاح وتوليد الإيرادات، باعتبارها داعمةً لجماعةٍ مدعومة من النظام الإيراني.
إنها معادلة الأذرع: تُدفع الكلفة من أمن الشعوب، بينما يُجمع الربح السياسي في مكانٍ آخر.
والمال السائب لا يقف عند حدود إيران أو اليمن؛ إنه يبحث عن سوقٍ لا يسأل، وممرٍ لا يدقق، ومصلحةٍ تفصل الربح عن المبدأ. وهنا تظهر المفارقات الخليجية، لا لتوجيه الاتهام إلى الشعوب، بل لطرح السؤال الذي لا ينبغي تأجيله: هل تبقى السيادة في البيانات، بينما تتحرك المصالح في اتجاه آخر؟
طنب الكبرى وطنب الصغرى مثالٌ مؤلم. جزرٌ تؤكد الإمارات أنها محتلة منذ عام 1971، وتطالب باستعادتها أو بإحالة النزاع إلى التحكيم الدولي، وهي تقع قرب مضيق هرمز ذي الأهمية الاستراتيجية.
والسؤال ليس دعوةً إلى الحرب، بل امتحانٌ لتعريف الوطن: كيف يثبت حق الأرض في الخطاب، ثم يُعزل عن حسابات السوق؟ فأيُّهما أبقى: ربح اللحظة أم حق السيادة؟
العراق ولبنان وسوريا واليمن ليست ملفاتٍ متناثرة؛ إنها حلقات ضغطٍ تستخدم الوكيل المسلح، والممر البري، والميناء، والخطاب الطائفي، لاستنزاف الجوار. وكلما اشتعلت حلقة، استُخدمت أخرى لتوسيع النار أو تأخير إطفائها.
أما إسرائيل ؛ فهي المستفيد الاستراتيجي من انشغال المنطقة بنفسها ، فكلما غرق الإقليم في حروب الوكلاء ؛ تراجعت فلسطين في الأولويات، واتسعت المساحة لفرض الوقائع على الأرض.
وأميركا ليست عدوًا مطلقًا ولا صديقًا مطلقًا؛ إنها قوة عظمى تحكمها المصالح. فيها من يرى في المملكة شريكًا مهمًا، وفيها من يقلقه أن يتحول نجاح رؤية المملكة إلى استقلالٍ كامل: اقتصادٌ متنوع، وتقنيةٌ محلية، وصناعةٌ وطنية، وتحالفاتٌ متعددة، وقرارٌ لا ينتظر ضوءًا أخضر من أحد. لذلك تظهر التناقضات والفتور عند لحظات الاختبار؛ إذ إن إدارة الصراع قد تعني إبقاءه تحت سقفٍ محسوب: لا حريقٌ يلتهم الجميع، ولا سلامٌ كامل يحرر الجميع من الحاجة إلى الحارس الخارجي.
هنا تظهر السعودية نموذجًا ذكيًا معتدلًا. لا تجعل قوتها في الصاروخ وحده، ولا في المال وحده، بل في القوة الناعمة: مكانتها الدينية، وإنسانها، وثقافتها، واقتصادها، ودبلوماسيتها، وقدرتها على جمع المتخاصمين مع الاحتفاظ بحقها في الدفاع عن أمنها. فالقوة الناعمة السعودية ليست ضعفًا؛ إنها تأثيرٌ بلا ابتزاز، وشراكةٌ بلا تبعية، وسلامٌ تحرسه قوةٌ وحكمة.
ولهذا كانت رؤية المملكة أكثر من خطة تنمية؛ إنها انتقالٌ من دولةٍ يعتمد العالم على ثروتها إلى دولةٍ تؤثر في قراره وصناعته وأمنه. ومن يخاف الرؤية لا يخاف المشاريع وحدها، بل يخاف إنسانًا سعوديًا أكثر قدرة، واقتصادًا أقل قابليةً للضغط، وقرارًا لا يُشترى.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
فالمال قيامٌ للأوطان حين يوضع في موضعه، وسقوطٌ حين يُترك للهوى. وقد قال رسول الله ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس».
قد يموّل المال السائب الفوضى، لكنه لا يصنع مستقبلًا؛ أما المال الواعي ؛ فهو الذي يحمي الوطن من أن يكون ملعبًا لها.