المركز الوطني للرقابة على الإلتزام البيئي ... حين يصبح الإلتزام جزءً من التنمية

مقال رأي

أ.د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي

2026-09-20T03:00:00.146Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يرسّخ "المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي" في المملكة مفهوم حماية البيئة كجزء أصيل من صناعة التنمية في إطار "رؤية 2030"، من خلال منظومة متكاملة تشمل التصاريح والرصد والتفتيش وإنفاذ الأنظمة وإدارة المخاطر قبل تفاقمها. ويعتمد المركز نهجاً قائماً على البيانات والمخاطر، تجلّى في تنفيذ أكثر من 58…

اليوم أصبحت التنمية تقاس بما نتركه خلفنا من أثر لا بما ننجزه فقط لذا يصبح السؤال كيف تصبح حماية البيئة جزءً من صناعة التنمية لا رقابة عليها ؟

لم تعد البيئة في المملكة قضية هامشية في مسار التنمية، ولا مسألة تُعالج فقط بعد وقوع المشكلات؛ فقد أصبحت المحافظة على الموارد، تعزيز الأداء البيئي، وتحسين جودة الحياة ركائز أساسية في التحول الذي تشهده المملكة في ظل "رؤية 2030". وفي هذا السياق، تتجاوز أهمية "المركز الوطني للرقابة على الإلتزام البيئي" دوره كجهة للتفتيش والرقابة؛ إذ تكمن قيمته الجوهرية في ترسيخ الإلتزام البيئي كجزء أصيل من الأنشطة التنموية، وليس مجرد إجراء لاحق أو ثانوي.

يعمل المركز على الإرتقاء بمستوى الإلتزام البيئي من خلال رصد التلوث، التقييم البيئي، وتعزيز الرقابة والتوجيه. وهو يعمل ضمن منظومة متكاملة تشمل إصدار التصاريح البيئية، مراقبة الأوساط البيئية، التفتيش، إنفاذ الأنظمة، والاستجابة للطوارئ. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المنظومة لا تكمن في تعدد مهامها، بل في ترابطها وتكاملها. فالتصريح البيئي ليس مجرد موافقة، وعملية الرصد ليست مجرد قياس، والتفتيش لا يقتصر على رصد المخالفات؛ فعندما تعمل هذه الأدوات ضمن منظومة موحدة، يصبح من الممكن تقييم الأثر البيئي، تحديد مستويات المخاطر، متابعة الإلتزام، والتدخل لتصحيح المسار عند الضرورة. وهنا تكمن النقلة النوعية الأهم الإنتقال من مجرد رصد المخالفات إلى إدارة المخاطر المرتبطة بها قبل أن تتفاقم وتتحول إلى آثار أكثر خطورة.

وينعكس هذا النهج بوضوح في آلية عمل المركز؛ ففي عام 2025، أُجريت أكثر من 58 ألف جولة تفتيش بيئي استهدفت 51% منها القطاعات ذات الأثر الأكبر وفق منهجية قائمة على المخاطر كما تم إصدار ما يزيد عن 20 ألف تصريح بيئي خلال العام نفسه. لا تكمن أهمية هذه الأرقام في ضخامتها فحسب، بل فيما تكشفه عن طبيعة الرقابة ذاتها؛ فهي تعكس نهجاً قائماً على البيانات يمنح الأولوية للإجراءات إستناداً إلى مستويات التأثير والمخاطر، مع الربط بين عمليات الرصد والتدابير التصحيحية وآليات الإنفاذ.

وينسجم هذا التوجه مع الأهداف الإستراتيجية للمركز، التي تركز على تطوير منظومة الرقابة البيئية، إرساء إطار متكامل لرصد وتقييم الأوساط البيئية، تعزيز الاستجابة للطوارئ، دفع عجلة التحول الرقمي، وتنمية القدرات الفنية والبشرية على حد سواء. وبناءً على ذلك، يتجاوز مفهوم الإلتزام البيئي مجرد التقيد باللوائح والأنظمة، ليصبح مؤشراً جوهرياً على نضج الممارسات التنموية.

فالنشاط الذي يعمل على تحديد وقياس ورصد أثره البيئي مع السعي الفعلي للحد من ذلك الأثر وتصحيح المسار يتعامل مع الإستدامة ليس بوصفها شعاراً فحسب، بل كجزء لا يتجزأ من نموذجه التشغيلي. وهنا تحديداً تتضح العلاقة بين المركز و"رؤية المملكة 2030"؛ فالأمر لا يقتصر على كون المركز "ينفذ الرؤية"، بل إن بناء نظام فعال للإلتزام البيئي يُعد متطلباً مؤسسياً أساسياً لتحقيق تنمية أكثر إستدامة، وبيئة ذات جودة أعلى، ومستوى معيشي أفضل.

والأهم من ذلك، إن نجاح الجهود البيئية لا يُقاس فقط بعدد المخالفات المكتشفة أو عمليات التفتيش المنفذة، بل بقدرة النظام على الحد من المخاطر، ورفع مستويات الالتزام، وترسيخ المسؤولية البيئية كممارسة معيارية في مختلف القطاعات التنموية. فمع ترسيخ الإلتزام البيئي في عمليات إتخاذ القرار والأنشطة التشغيلية وعمليات الرصد، تتضاءل الحاجة إلى التعامل مع القضايا البيئية باعتبارها مجرد مشكلات تتطلب معالجة لاحقة؛ إذ تكمن القيمة الحقيقية للرصد البيئي لا في مجرد رصد الأضرار، بل في الحد من احتمالية وقوعها من الأساس.

حين يصبح الإلتزام البيئي جزءً من القرار التنموي لا تعود حماية البيئة قيداً على التنمية بل تصبح شرطاً أساسياً لإستدامتها.