ما لا نراه
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يدعو المقال إلى التخفيف من إصدار الأحكام على الآخرين، موضحًا أنّ لكل إنسان معارك خفية وآلامًا داخلية لا تظهر على ملامحه ولا يرويها للناس. ويؤكد أن الانشغال بعيوب الآخرين يمنح وهم التفوق ولا يحقق تزكية حقيقية للنفس، بينما الوعي بالذات وتحويل النظر من نقد الناس إلى إصلاح النفس هو الطريق الأسمى. وينتهي…
ليس كل ما يخوضه الإنسان يُرى ولا كل ما يؤلمه يُقال ، فثمة معارك تدور في أعماق البشر بصمت ، لا يُسمع لها ضجيج ولا تظهر لها ندوب ، ومع ذلك قد تستنزف من الروح ما لا تستنزفه أشد المعارك ظهوراً !
نلتقي بأصحابها في الطرقات ومجالس العمل وبين الأصدقاء ، فنرى وجوهاً هادئة ونسمع أصواتاً طبيعية ، ولا ندري أيَ أثقال تخفيها تلك الطمأنينة الظاهرة ، ولا كم من الانكسارات لملمها أصحابها قبل أن يخرجوا إلينا بهذا التماسك ، ولعل هذا وحده سببٌ كافٍ لأن نكون أكثر لطفاً مع بعضنا البعض .
إن الإنسان لا يصل إلينا حاملاً سيرته كاملة ، ولا يضع أمامنا قائمةً بما فقد وما قاوم ، وما أخفاه كي يستطيع مواصلة يومه ، نحن نلتقي منه بالجزء الظاهر فقط ، ثم نقع أحياناً في خطأ بالغ القسوة وهو أن نحكم على الكل من خلال الجزء .
نرى موقفاً فنُصدر حكماً ، ونشهد عثرةً فنصنع منها وصفاً دائماً ، ونلمح تقصيراً فننسى تاريخاً كاملاً من المحاولات ، وما أظلم الأحكام حين تُبنى على مشهدٍ ناقص ، فخلف كل تصرف حكاية قد لا نعرفها ، وخلف بعض الصمت تعب ، وخلف بعض الغياب إنطفاء ، وخلف بعض الحِدّة وجعٌ لم يجد صاحبه لغةً أفضل ليُعبّر عنه .
ومن هنا نخلُص إلى أن ترك البحث في خفايا الناس أكثر من مجرد خُلُق ، فالانشغال بعثرات الآخرين قد يمنح الإنسان وهماً بالتفوق ولكنه لا يجعله الأفضل ، ومن يُطيل النظر في نقائص الناس قد ينسى أن في نفسه ما يستحق النظر ، وأن العمر الذي يُهدر في تفتيش خبايا الآخرين كان أولى أن يُصرف في تهذيب الذات .
الحقيقة أن الإنسان كلما ازداد وعياً بنفسه قلَّت رغبته في محاكمة غيره ، لأنه يعرف مقدار ما يُخفيه هو عن العالم ويُدرك بالضرورة أن للآخرين أيضاً مساحات مخفيه لا تُرى .
ثم إن أجمل التحولات التي يبلغها الإنسان هي تلك اللحظة التي يتحول فيها بصره من الخارج إلى الداخل ، حينها سيتوقف عن السؤال : لماذا أخطأ فلان ؟
ويبدأ بالسؤال : ماذا ينبغي أن أصلح في نفسي؟
حينها سيصبح أكثر انشغالاً بتهذيب طبعه من تقويم طباع الآخرين ، وأكثر حرصاً على مراجعة كلماته من إحصاء كلماتهم ، وأكثر خوفاً من أثره في الناس من خوفه على صورته أمامهم .
ولعل أسمى ما يمكن أن يصل إليه المرء ألا يكون سبباً في زيادة ثقل الحياة على أحد ، وحين لا نستطيع أن نحمل عن الآخرين معاركهم ، فلنحرص على ألا نكون معركةً أخرى في حياتهم .