اليوم العالمي للصحة النفسية..حين تجد التجربة صوتها
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يدعو المقال إلى إدراك أن ما يعبّر عنه الإنسان بجملة قصيرة مثل "أنا متعب" قد يخفي وراءه تجربة نفسية عميقة لا نراها من ظاهر السلوك، مؤكِّداً أهمية الإصغاء لما يرويه أصحاب المعاناة النفسية وعدم الاكتفاء بتفسيراتنا المسبقة. ويركّز على مفهوم "الخبرة المُعاشة" في الصحة النفسية، كما يطرحه اليوم العالمي للص…
قد يحمل الإنسان شيئاً لا يعرف كيف يصفه، ثم يمضي به بين الناس كأن يومه يشبه أيامهم. يؤدي عمله ويشارك في الأحاديث، بينما يبقى في داخله ما لم يجد طريقه إلى الكلام. وحين يتحدث أخيراً، قد يختصر تجربة طويلة في جملة صغيرة، "أنا متعب"، أو "لا أعرف لماذا يتكرر معي هذا". نسمعه ونحاول مساعدته بما نعرف، لكن شيئاً من المعنى قد يبقى عنده، شعور لم تسعه العبارة، وربما تفصيل مررنا عليه سريعاً، وكان بالنسبة إليه أصل الحكاية. فنحن نرى من حياة الآخرين ما يظهر أمامنا، ونكمل أحياناً بقية الصورة من تصوراتنا. نفسر التردد على أنه ضعف، ونردّ الانفعال إلى الطبع. وإذا تكرر التعثر، تساءلنا إن كان صاحبه يحاول بما يكفي. وقد تحمل ملاحظاتنا جانباً من الحقيقة، لكنها لا تخبرنا بكل ما يحدث قبل التصرف، ولا بما يقوله الإنسان لنفسه بعده. وبين ما نراه وما يعيشه، تبقى مساحة يمكن أن نقترب منها حين يختار أن يروي تجربته.
ومن هنا نفهم قيمة (الخبرة المُعاشة (Lived Experience، أي المعرفة التي يكتسبها الإنسان من مروره بالتجربة بنفسه. فهو يعرف كيف أثّرت فيه، وما واجهه خلالها، وما وجده مساعداً أو مرهقاً. وفي مجال الصحة النفسية، تضيف هذه المعرفة ما لا يظهر في وصف الأعراض وحده؛ كيف تغيّرت علاقته بنفسه، وأي اختيارات أصبحت صعبة عليه، وما الذي يحتاج إليه ليواصل يومه. وتبرز قيمة هذه المعرفة في شعار اليوم العالمي للصحة النفسية (الخبرات المُعاشة تُسمع: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي)، الذي يؤكد أهمية مشاركة أصحاب التجارب في القرارات التي تمس حياتهم. ولهذا تدعم منظمة الصحة العالمية مشاركتهم الفعلية في تطوير السياسات والبرامج والخدمات، حتى تسهم تجاربهم في تحسين الرعاية المقدمة لهم.
ويمتد معنى الإصغاء إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حيث تتصل الصحة النفسية بمشاعرنا وطريقة تفكيرنا، وبقدرتنا على مواجهة الصعوبات والحفاظ على علاقاتنا. فقد يعيش الإنسان قلقاً يستنزفه، أو اكتئاباً يؤثر في طاقته ودافعيته. وقد يجد أن الخوف يضيّق اختياراته، أو أن انفعاله بدأ يبعد عنه من يحب. وفي جوانب أخرى، يتعثر في التخطيط أو يعود إلى طريقة في حل المشكلات لم تساعده من قبل. فمن يتجنب لقاءً أو فرصة جديدة قد يبدو غير مهتم، مع أنه يرغب فيها. لكنه يتوقع الإحراج أو الخطأ، ويعيد الاحتمالات في ذهنه حتى تصبح الخطوة مرهقة قبل أن تبدأ. ومن يعيش الاكتئاب قد يسمع نصائح كثيرة عن النشاط والمشاركة، بينما يحاول أن يشرح أن ما اعتاد القيام به أصبح يحتاج إلى جهد لم يعرفه من قبل. هذه التفاصيل تساعدنا على فهم ما يجعل الخطوة صعبة، وعلى تبيّن الحاجة إلى المساندة أو التقييم والرعاية المتخصصة.
وأحياناً يكشف الحديث كيف تشكّلت المشاعر نفسها. يتأخر صديق في الرد، فيفهم الشخص تأخره على أنه تجاهل، ثم يبدأ بالعتاب وينتهي إلى الغضب. يبدو الخلاف متعلقاً برسالة، لكن ما آلمه ربما كان معنى آخر "لم أعد مهماً لديه". ويقربنا هذا المثال مما يُعرف في علم النفس المعرفي بـ (التشوهات المعرفية (Cognitive Distortions، وهي أنماط من التفكير قد تجعل قراءتنا للمواقف غير دقيقة. نفترض أننا نعرف نيات الآخرين، أو نعمّم موقفاً واحداً، ثم نتعامل مع تفسيرنا كأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة.
والانتباه إلى المسافة بين ما حدث وما فهمناه يتيح لنا مراجعة استجابتنا. هنا يأتي دور (تنظيم الانفعال (Emotion Regulation، الذي يتعلق بكيفية التعامل مع المشاعر والتعبير عنها. فمعرفة الإنسان بما يثير غضبه تساعده على التوقف قبل الرد، واختيار كلمات توضّح ما أزعجه دون أن تجرح من أمامه. ويظل مسؤولاً عن سلوكه، وعن إصلاح ما تركه من أثر، ففهم التجربة يمنحه موضعاً يبدأ منه التغيير. ويمتد أثر هذا الفهم إلى طريقة تعاملنا مع متطلبات يومنا، كالتخطيط وإنجاز المهام. فقد يضع شخص أهدافاً كثيرة ثم يتعثر، فيصف نفسه بالكسل ويصفه الآخرون بقلة الالتزام. لكن حين يشرح محاولاته، يتضح أنه يحتار في ترتيب الأولويات ولا يعرف كيف يحوّل الهدف الكبير إلى خطوات. وربما يترك خطته كلها لأن خطوة واحدة لم تسر كما أراد. عندها تتجه المساعدة إلى موضع التعثر، بدل أن يبقى أسير حكم يتكرر على شخصيته.
هكذا يأخذ الشعار معناه في الحياة، حين يقود ما نسمعه إلى مساندة أقرب لاحتياج صاحبه. أحياناً يحتاج إلى تعلّم مهارة، وفي أحيان أخرى تكون الأولوية للوصول إلى الرعاية المناسبة. وتظل لكل تجربة خصوصيتها، فما ساعد أحداً قد لا يناسب غيره. وهذا الاهتمام يشمل احترام حدود صاحب التجربة، فهو من يقرر متى يتحدث وما الذي يريد قوله. فالإصغاء لا يمنحنا حق اقتحام خصوصيته أو ملاحقته بالأسئلة. وقد يكون احترام رغبته في الصمت، مع إبقاء باب المساندة مفتوحاً، هو ما يمنحه الطمأنينة. لا يحتاج الإنسان إلى كشف تفاصيله حتى يستحق التفهم والدعم. ولعلنا نجد أنفسنا في بعض ما نسمعه، نتذكر خوفاً عرفناه، أو موقفاً تمنينا لو تصرفنا فيه بطريقة أخرى. وربما يذكّرنا ذلك بأن ما يظهر منا لا يروي كل ما نعيشه، فيجعلنا أكثر تأنياً في فهم الآخرين.
وفي هذا اليوم، يمكن أن نعود إلى أحاديث مرّت بنا وظننا أننا فهمناها كاملة. إلى شخص اختصر كلامه بعد إجابتنا، أو آخر لم تشبه تجربته ما توقعناه عنه. فإن اختار أن يتحدث، لعلنا نمنحه وقتاً، ونترك لكلماته فرصة لتكتمل قبل أن نسبقها بما نعرف. فقد تحمل الجملة الصغيرة التي يقولها تجربة أوسع مما نظن. وحين نقترب من معناها، ربما نراجع حكماً، أو نغيّر استجابة، أو ندرك حاجة لم ننتبه إليها. عندها تجد التجربة صوتها، ويجد ما سمعناه أثره في الحياة.