الهوية المحسوسة

مقال رأي

إبراهيم الروساء

2026-10-12T05:16:00.086Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يركّز المقال على بُعد جديد للهوية الاتصالية للعلامات التجارية، يتجاوز الشعار والألوان ونبرة اللغة إلى ما يسمّيه الكاتب "الهوية المحسوسة"، أي الشعور الذي تتركه العلامة لدى الجمهور في المواقف المختلفة. ويقارن بين رد "لوفتهانزا" الساخر وغير المنسجم مع شخصيتها، وبين توظيف "كيت كات" و"البقرة الضاحكة" و"ش…

لم تعد الهوية الاتصالية ما نراه فقط؛ الشعار واللون والتصميم. ولا ما نسمعه؛ اللغة والصوت والنبرة التي نعرف صاحبها من أول جملة.

مع مواقع التواصل ظهر في تقديري نوع آخر يمكن تسميته الهوية المحسوسةوهو ذلك  الشعور الذي تتركه العلامة فيك عندما تتحدث إليك، تمزح معك، تختلف معك، تعتذر لك، أو حتى تغضب منك، فالعلامات أصبحت تُشعَر كما تُرى وتُسمع.

أقول هذا بعد الرد الساخر الذي نشره حساب  Lufthansaعلى عميل كان يطالب بدفعة مالية يقول إن الشركة أقرتها منذ أشهر أخبره الحساب أن الإجابة لن تتغير بطريقة سحرية لمجرد أنه أعاد السؤال على منصة X. الرد تجاوز 15 مليون مشاهدة خلال يومين، ثم اعتذرت الشركة مؤكدة أن هذه ليست الطريقة التي تعامل بها ركابها.

ليس من طبع لوفيتهانزا الألمانية خفة الظل في الردود ولم يكن يوما خطا لها وهذا ما فجّر المسألة. قارن هذا الموقف مع حادثة كيت كات وكيف تعاملت مع حادثة سرقة شاحنة تحمل أكثر من 413 ألف قطعة وتزن 12 طنًا من الشوكولاتة إذ حولت السرقة إلى قصة، واستثمرت شعارها الشهير Have a Break، ولعبت على الحدث بخفة حتى أصبحت الأزمة حملة عالمية ناجحة.

وفي الأيام الماضية فعلت البقرة الضاحكة شيئًا أكثر ذكاءً. بعد أكثر من قرن وهي تضحك على عبوتها الشهيرة، ظهرت على بعض العبوات في الولايات المتحدة بوجه جاد بلا ابتسامة، وإلى جوارها عبارة : نحتاج أن نتحدث.

لم تغيّر الشركة هويتها، بل لعبت بها. أطلقت حملة The Not Laughing Cow، ووضعت رمز QR يقود الجمهور إلى قصة تبحث عن سبب اختفاء الابتسامة. قوة الفكرة أنها لم تخترع شخصية جديدة؛ بل نزعت للحظة أكثر شيء نعرف به الشخصية القديمة: ضحكتها.

محليا يمكن ملاحظة خط شركة سلسلة مطاعم شاورمر حيث بنت لنفسها لسنوات قاموسًا قريبًا من الجمهور: «الشاورمرية»، و«الشطحات»، والمبالغة الساخرة والمفردة المحلية. والفكاهة هنا ليست تغريدة طارئة؛ بل جزء من الشخصية.

إذن ليست القضية: هل تكون العلامة ساخرة أم جادة؟ السؤال الأصح: متى؟ ومع من؟ وعلى حساب من؟

يمكن أن تمزح KitKat بشاحنة شوكولاتة مسروقة، وأن تتوقف البقرة الضاحكة عن الضحك، وأن تتحدث شاورمر بلهجة «الشاورمرية»؛ لأن المزحة هنا امتداد للشخصية والسياق. لكن النكتة في وجه عميل ينتظر أمواله شيء آخر.

وهنا ربما نحتاج إلى توسيع فهمنا للهوية. فلم يعد كافيًا أن يتعرف الجمهور إلى العلامة عندما يراها أو يسمعها، بل الهوية الأعمق هي أن يتعرف إليها من الشعور الذي تتركه فيه.