حضرموت والسعودية.. من شراكة الدعوة والإصلاح إلى عمق الهوية المشتركة في الجزيرة العربية
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يبرز المقال حضرموت كشريك تاريخي وديني وثقافي لنجد والحجاز منذ الدولة السعودية الأولى، حيث توحدت بينهما شبكة من العلماء والقبائل والهجرات والعلاقات الفقهية والفكرية، وجعلت حضرموت جزءاً من المجال الحضاري نفسه لا إقليماً هامشياً. ومع قيام الدولة السعودية الحديثة تعمق هذا الارتباط عبر المراسلات السياسية…
منذ فجر الدولة السعودية الأولى، لم تكن حضرموت بالنسبة لنجد والحجاز إسماً على أطراف الخريطة، بل شريكاً في الهمّ الديني والاجتماعي، ثم السياسي والثقافي، حتى غدت اليوم أحد أهم روافد العمق التاريخي والإنساني للمملكة في شرق الجزيرة العربية.
تكشف الشواهد التاريخية والوثائق التي تناولت العلاقات الحضرمية–السعودية أن حضرموت ونجد لم تعيشا كعالمين منفصلين، بل كحيّز واحد متداخل، تتحرك فيه القبائل والقوافل والعلماء والفقهاء بين الشرق والوسط والحجاز في شبكة حيوية من المصالح والصلات والولاءات.
فمنذ القرن الثاني عشر الهجري برز في حضرموت حضور لافت لعلماء وقضاة يتابعون ما يدور في الحرمين ونجد، ويتراسلون مع كبار العلماء هناك، ويهتمون بنقل الفتاوى والكتب والآراء الفقهية الواردة من مكة والمدينة. هذا التراسل العلمي رسّخ في الوجدان الحضرمي أن علاقة حضرموت بالحرمين ليست علاقة زائر بمزاره فحسب، بل علاقة جزء بأصل ورافد بمركز.
وحين بزغت الدعوة الإصلاحية في نجد في القرن الثاني عشر الهجري، لم تبق محصورة في نطاقها المحلي، بل وجدت في حضرموت آذاناً صاغية وبيئةً واعية تتفاعل مع خطابها الديني والفكري عبر العلماء والرحّالة والتجار الذين حملوا مؤلفاتها وأخبارها شرقاً.
وتبرز في هذا السياق حملة محمد ناجي بن قملا في حضرموت بوصفها نموذجاً دالاً على حضور الأفكار النجدية في البيئة الحضرمية، بما حملته من دعوة إلى تصحيح التوحيد وتنقية الممارسات الدينية من الشوائب والبدع. هذه الحملة، بما أثارته من قبول ونقاش واعتراض في آن واحد، أطلقت حوارات علمية وفقهية عابرة للأقاليم بين علماء حضرموت ونجد، وأسهمت في ترسيخ جسر معرفي يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.
ومع بروز الدولة السعودية الحديثة، ولا سيما في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، انتقل هذا التلاقي من مستوى التأثير الديني والفكري إلى مستوى التواصل السياسي والاعتراف المتبادل. حيث تُظهِر الوثائق التي جُمعت حول العلاقات الحضرمية–السعودية وجود مراسلات وإشارات تعكس وعياً سعودياً مبكراً بأهمية حضرموت في الامتداد الجنوبي الشرقي للجزيرة العربية، كما تعكس تقدير النخب العلمية والقبلية في حضرموت لصعود الدولة السعودية بوصفه امتداداً لمنظومة قيم تشترك فيها المجتمعات العربية والإسلامية في الجزيرة.
ولم تقتصر الصلة على الأفكار والمراسلات، بل تعمقت عبر مسار طويل من الهجرات الحضرمية المتتابعة إلى الحجاز ووسط الجزيرة، طلباً للرزق والعلم والاستقرار، فانخرطوا في المجتمع، حتى صار كثير منهم جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي السعودي الناشئ، تحضر أسماؤهم في سجلات التجارة والخدمات والتعليم والحياة اليومية.
وتشير الكتابات والقراءات التاريخية المعاصرة في المملكة إلى أن الوعي السعودي الحديث بدأ يستعيد حضرموت بوصفها شريكاً قديماً في بناء المجال الديني والاجتماعي للجزيرة، لا مجرد إقليم بعيد على الأطراف.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن علاقة حضرموت بالسعودية، منذ النشأة الأولى وحتى اليوم، هي علاقة مجال حضاري واحد تعددت أقاليمه وتوحدت قيمه؛ قيم العلم والتوحيد والهجرة والبذل، التي ما زالت تغذي وشائج الأخوّة والولاء المتبادل بين المجتمعين، وتمنح الحاضر السعودي–الحضرمي عمقه التاريخي وآفاقه المشتركة نحو المستقبل. إن استحضار هذه العلاقة في ذكرى تأسيس الدولة السعودية لا يقتصر على الفخر بالماضي، بل يفتح الباب أمام أفق أوسع من التعاون العلمي والثقافي والاقتصادي، يواصل ما بدأه الأسلاف من بناء الجسور بين حضرموت وقلب المملكة، في إطار مشروع عربي وإسلامي أكبر للنهضة والوحدة والبناء.