القيادة في زمن الأزمات... عندما يصبح الهدوء قرارًا استراتيجيًا
مقال رأي
يؤكد المقال أن الأزمات تكشف جوهر القائد الحقيقي، الذي يتمثل دوره في إدارة الخوف وصناعة الثقة وتوفير شعور بالأمان النفسي للفريق بدل نشر الذعر، مع عرض الواقع كما هو دون تهويل أو تجميل. ويرى أن القيادة الفاعلة في الأوقات الحرجة تقوم على طمأنينة منضبطة، ولغة أرقام وبيانات لا انطباعات، ورؤية واضحة مرتبطة…
في أوقات الرخاء، يستطيع معظم القيادات أن يبدوا قادة أما في الأزمات، فلا يبقى في الميدان إلا القائد الحقيقي، فالأزمة لا تختبر قوة المؤسسة بقدر ما تختبر قدرة قائدها على إدارة الخوف، وصناعة الثقة، وتحويل الفوضى إلى اتجاه واضح.
وأول ما يحتاجه الفريق في الأزمة ليس خطة معقدة، بل شعورًا بالأمان، فالإنسان عندما يشعر بالتهديد تتراجع قدرته على التفكير والإبداع واتخاذ القرار، وقد أثبتت أبحاث الأستاذة في جامعة هارفارد إيمي إدموندسون أن ما أطلقت عليه "الأمان النفسي" يعد من أهم العوامل التي تجعل الفرق تحافظ على أدائها تحت الضغط، والقائد الذي ينشر الذعر بين موظفيه يخسر جزءًا كبيرًا من قدرتهم على الإنتاج قبل أن تبدأ الأزمة أصلًا.
ولهذا، فإن القائد الناجح لا ينكر حجم المشكلة، لكنه أيضًا لا يضخمها، يشرح الواقع كما هو، ويبين الخطة كما ينبغي أن تكون، ويؤكد أن لكل أزمة طريقًا للخروج، فالطمأنينة ليست تجميلًا للحقيقة، وإنما إدارة صحيحة للمشاعر حتى لا تتحول إلى عائق أمام العمل.
ومن الأخطاء المتكررة في إدارة الأزمات أن تتحول الاجتماعات إلى منصات للوم والتهديد، بينما تشير دراسات عالم الإدارة دانيال جولمان في الذكاء العاطفي إلى أن المشاعر تنتقل داخل الفرق بسرعة، وأن القائد هو المصدر الأكبر لهذه العدوى العاطفية، فإذا تحدث بغضب، انتشر التوتر، وإذا تحدث بثقة واتزان، انتقلت الطمأنينة إلى الفريق بأكمله.
وفي المقابل، فإن التحفيز لا يعني المجاملة، بل يعني ربط الجهد بالهدف، فالناس تتحمل أصعب الظروف عندما تدرك لماذا تعمل، وما الذي سيحققه عملها، وهنا يتفق ذلك مع رؤية جون كوتر، الذي يرى أن القيادة في التغيير تبدأ بصناعة رؤية واضحة يفهمها الجميع، ثم إشراك الفريق في تحقيقها، وليس مجرد إصدار الأوامر.
ومن أهم ما يميز القائد في الأزمة أيضًا أنه يقود بالأرقام لا بالانطباعات، فالقرارات التي تبنى على القلق غالبًا ما تكون أكثر ضررًا من الأزمة نفسها، أما القرارات المبنية على مؤشرات أداء، وتدفقات نقدية، وبيانات تشغيلية، فتمنح المؤسسة فرصة لاتخاذ إجراءات دقيقة بدلًا من ردود الفعل المتسرعة.
ولهذا يؤكد رائد الإدارة الحديثة بيتر دركر أن ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته بفاعلية، وفي الأزمات تحديدًا، تصبح البيانات لغة القيادة الحقيقية، بينما تتحول الشائعات والانطباعات إلى أكبر مصادر الخسارة.
ومن الأخطاء الشائعة أيضًا أن يظن بعض القادة أن الحزم يعني رفع الصوت، أو أن فرض السيطرة يكون بكثرة التهديد، لكن الدراسات في القيادة التحويلية، التي طورها برنارد باس استنادًا إلى أعمال جيمس ماكغريغور بيرنز، تشير إلى أن القائد الأكثر تأثيرًا هو من يلهم فريقه، ويرفع مستوى التزامه، ويجعله يعمل بدافع القناعة لا بدافع الخوف.
فالخوف قد يصنع استجابة مؤقتة، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا ابتكارًا، ولا أداءً مستدامًا. أما الثقة، فتدفع الموظف إلى بذل جهد إضافي حتى عندما لا يطلب منه ذلك، وفي النهاية، قد تنتهي كل أزمة عاجلًا أو آجلًا، لكن ما يبقى في ذاكرة الموظفين ليس حجم الأزمة، بل الطريقة التي قادهم بها قائدهم خلالها، سيتذكرون من بث فيهم الطمأنينة، ومن تحدث بلغة الأرقام، ومن حفزهم بدلًا من تهديدهم، ومن جعلهم يشعرون أنهم جزء من الحل لا جزء من المشكلة.
فالقيادة الحقيقية لا تُقاس عندما تكون الظروف مستقرة، وإنما عندما تتقاطع الضغوط مع القرارات، هناك فقط يظهر الفرق بين مدير يدير الأزمة وقائد يقود الناس خلالها.