تنظيم الإعلام وإدارة الوعي

مقال رأي

أحمد الظفيري

2026-05-13T09:41:57.281Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يناقش المقال تحوّل المعركة الإعلامية من مجرد تداول المعلومات إلى التأثير في الوعي الجمعي، موضحًا أن محتوى التحريض الرقمي يستهدف خصوصًا الشباب عبر تضخيم التحديات، وتكريس الإحباط، وزعزعة الثقة بالمنجز الوطني. ويرى أن تحرك الهيئة العامة لتنظيم الإعلام تجاه الحسابات المخالِفة جزء من إستراتيجية أوسع لحما…

في مرحلة مليئة بالمنصّات الرقمية سريعة الوصول؛ والتي تتنافس فيها السرديات على تشكيل الوعي العام، لم تعد المعركة تدور حول المعلومة ذاتها، بقدر ما تدور حول طريقة تقديمها، والهدف الكامن خلفها، والأثر النفسي الذي تسعى إلى ترسيخه داخل المجتمعات. ومن هنا يمكن قراءة تحرك الهيئة العامة لتنظيم الإعلام تجاه الحسابات التي مارست مخالفات تمس النظام العام والأمن الوطني والمصلحة العامة، باعتباره خطوة تتجاوز البعد الإجرائي إلى بعد استراتيجي يرتبط بحماية الوعي الوطني من حملات التأثير الممنهج.

لقد أثبتت التحولات الرقمية أن الإعلام الجديد لم يعد مساحة للتعبير فحسب، وإنما تحول إلى بيئة قادرة على إنتاج القناعات، وتوجيه الإدراك الجمعي، وصناعة المزاج العام، خصوصًا لدى فئة الشباب التي تشكل الكتلة الأكبر والأكثر تفاعلًا مع المنصات الرقمية. وهنا تتجلى خطورة المحتوى الذي يُبنى على الإثارة العاطفية، أو تدوير الإحباط، أو تضخيم الأخطاء الفردية حتى تبدو وكأنها صورة شاملة للمشهد الوطني.

الدراسات الحديثة المتعلقة بالإعلام والوعي المجتمعي تكشف بوضوح أن تكرار الرسائل السلبية، وإغراق المتلقي بسرديات العجز وفقدان الثقة، يؤدي تدريجيًا إلى خلق فجوة نفسية بين المواطن ووطنه، وبين الفرد ومؤسسات دولته. وهذه الفجوة تمثل البيئة المثالية لأي مشروع يستهدف إضعاف التماسك الاجتماعي أو التشكيك في الاستقرار أو زعزعة الثقة بالمنجز الوطني.

الخطير في هذه المرحلة أن بعض الحملات الرقمية لم تعد تعتمد على المواجهة المباشرة، وإنما تتبنى أساليب أكثر دهاءً؛ تبدأ بإثارة الأسئلة المشحونة، ثم صناعة حالة استنزاف ذهني مستمرة، يليها ضخ يومي لمحتوى يرسّخ الإحباط، حتى يتحول التشاؤم إلى مزاج عام، ويتحول فقدان الثقة إلى سلوك جماعي. وهنا تظهر محاولات صناعة العزلة الشعورية لدى الشباب، عبر إقناعهم بأن الجهد الوطني بلا أثر، وأن الفرص محدودة، وأن المستقبل غامض، وأن الإنجازات استثناء عابر.

هذا النمط من الخطاب لا ينشأ عشوائيًا، فالمملكة تمثل اليوم نموذجًا اقتصاديًا وتنمويًا مؤثرًا في المنطقة، ما يجعلها هدفًا دائمًا لحملات التأثير الإعلامي العابرة للحدود. وقد أشارت دراسات عديدة إلى أن بعض القوى الإقليمية والدولية تنظر إلى الإعلام الرقمي باعتباره أداة ضغط واستنزاف طويلة المدى، تعتمد على تفكيك الثقة الداخلية قبل أي شيء آخر.

ومن يتأمل طبيعة المحتوى التحريضي يلاحظ أنه يركز غالبًا على ثلاث أدوات رئيسية:

أولًا: تضخيم التحديات الطبيعية التي تواجه أي مشروع تنموي، وتقديمها باعتبارها أزمات وجودية.

ثانيًا: صناعة صورة ذهنية سوداوية عبر تكرار الرسائل المحبطة بوتيرة يومية.

ثالثًا: استهداف الشباب تحديدًا؛ لأنهم الفئة الأكثر حضورًا وتأثرًا وتفاعلًا داخل الفضاء الرقمي.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين النقد الواعي الذي يسهم في التطوير، وبين المحتوى الذي يتغذى على التهييج وإثارة السخط وتفكيك الثقة العامة. فالمجتمعات القوية تحتاج إلى النقد المسؤول، كما تحتاج في الوقت ذاته إلى حماية وعيها من الحملات التي تتقن استغلال العاطفة الجماهيرية وتوجيهها نحو الفوضى المعنوية.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول اليوم ليس الهجوم التقليدي، وإنما إنهاك الوعي الجمعي، وتحويل المواطن إلى متلقٍ دائم لرسائل الإحباط والتشكيك. فحين يفقد الإنسان ثقته بمؤسساته، وبقدرته على التأثير، وبمستقبل وطنه، يصبح أكثر قابلية للانسحاب النفسي والاجتماعي، وهنا تبدأ حالة الانفصال المعنوي التي تحدثت عنها الدراسات الإعلامية والاجتماعية.

ولذلك فإن التعامل مع هذه الظاهرة يحتاج إلى مشروع وطني متكامل يقوم على عدة مسارات متوازية:

تعزيز الوعي الإعلامي والرقمي داخل المدارس والجامعات، حتى يمتلك الشباب القدرة على التمييز بين المعلومة والتحريض، وبين النقد والتلاعب العاطفي.

إطلاق مبادرات لصناعة محتوى وطني احترافي يقدّم الحقائق بلغة عصرية قادرة على المنافسة داخل المنصات الرقمية.

تحويل المنصات الرسمية من منصات بيانات جامدة إلى منصات تفاعلية تشرح وتناقش وتجيب وتقترب من الناس.

دعم الدراسات المتخصصة في الأمن الفكري والإعلامي لفهم أنماط التأثير الجديدة وأساليب الحروب المعنوية الحديثة.

بناء خطاب وطني حديث يعزز الثقة والوعي والانتماء، ويخاطب الشباب بلغة المستقبل والطموح والفرص.

لقد دخل العالم مرحلة أصبحت فيها “إدارة الوعي” أحد أهم عناصر الأمن الوطني، وأصبحت المعركة الحقيقية معركة إدراك ومعنى وصورة ذهنية. ومن هنا تبدو أهمية الجهود التنظيمية والإعلامية التي تحمي الفضاء الرقمي السعودي من حملات التضليل والتهييج، وتحافظ على مجتمع يمتلك وعيه، ويثق بوطنه، ويدرك حجم ما تحقق، وحجم ما يُراد استهدافه.