ولي العهد.. قدوة وطنية في العطاء ووطن يبادر

مقال رأي

عبدالرحمن الايداء

2026-10-06T18:50:49.384Z

يبرز المقال دلالات تبرع صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز بالدم وإطلاقه الحملة الوطنية للتبرع بالدم لعام 2026، باعتبارها نموذجاً للقدوة التي تحوّل القيم من شعارات إلى أفعال وتغرس ثقافة العطاء في المجتمع. ويستعرض الأثر الملموس للحملة السابقة التي ضاعفت أعداد المتبرعين وساه…

ليست كل الأشياء التي تمنح قابلة للعد، ولا كل العطايا تقاس بثمن. هناك عطاء لا يغادر يد صاحبه إلا ليمنح إنسانا آخر فرصة للبقاء، وقطرة دم قد تبدو في ميزان الأشياء قليلة، لكنها في ميزان الحياة قد تساوي الحياة كلها.

فالإنسان لا يعرف متى يصبح بحاجة إلى إنسان آخر لا يعرفه، ولا يدرك كيف يمكن لدقائق من عمر شخص أن تضيف أعواما إلى عمر شخص آخر. وهذه واحدة من أجمل فلسفات التبرع بالدم؛ أن تعطي لمن لا تعرف، وأن تمنح دون أن تنتظر، وأن يكون جزاؤك أن قلبا في مكان ما لا يزال ينبض.

لكن للقيم طريقا أقصر إلى الناس من الكلمات: القدوة.

فالقيادة ليست موقعا يتقدم منه الإنسان على الآخرين، بل مسؤولية تجعله يتقدم من أجلهم. والقائد حين يبدأ بنفسه يمنح الفعل قوة مضاعفة، لأن الناس لا يرون دعوة مجردة، بل يرون المعنى أمامهم حيا.

ومن هنا يمكن قراءة تبرع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بالدم، وإطلاقه الحملة الوطنية السنوية للتبرع بالدم لعام 2026.

المشهد في ظاهره تبرع بالدم، وفي معناه أبعد من ذلك بكثير.

إنه رسالة تقول إن العمل الإنساني لا يحتاج دائما إلى خطب طويلة، وإن المسؤولية تجاه الإنسان لا ترتبط بمنصب أو مكانة، وإن أعظم المبادرات تلك التي يبدأ صاحبها بنفسه.

وقد أثبت المجتمع السعودي أن القدوة حين تتقدم، يتسع خلفها طريق العطاء. فالحملة التي أطلقها سمو ولي العهد في العام الماضي أسهمت في مضاعفة عدد المتبرعين أربع مرات، وسجلت بنوك الدم أكثر من 65 ألف متبرع، كان أكثر من 85% منهم متبرعين جددا، فيما بلغت نسبة التبرع الطوعي 100%.

وهذه ليست أرقاما جامدة.

أكثر من 63 ألف إنسان استفادوا من وحدات الدم، و10 آلاف من الصفائح الدموية، و10 آلاف من البلازما. أي أن خلف الأرقام مرضى عاد إليهم الأمل، وأسر انتظرت أمام غرف العمليات، وحالات حرجة وجدت ما تحتاج إليه في الوقت الذي كانت فيه كل دقيقة تعني الكثير.

وفي عام 2025 تجاوز عدد المتبرعين بالدم في المملكة 900 ألف متبرع، وهو رقم يقول شيئا مهما عن المجتمع السعودي: أن ثقافة التكافل ليست طارئة عليه، وأن العطاء متجذر فيه، وأن المبادرات حين تجد القدوة تتحول من حملة إلى سلوك، ومن دعوة إلى ثقافة.

ولهذا فإن حملة 2026 ينبغي ألا ينظر إليها بوصفها موسما للتبرع، بل خطوة أخرى نحو أن يصبح التبرع المنتظم جزءا من ثقافتنا اليومية، وصولا إلى استدامة مخزون الدم وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير احتياجات المرضى في مختلف مناطق المملكة.

نحن نتحدث كثيرا عن قوة الدول بما تملكه من اقتصاد ومنجزات ومشروعات، وهذا صحيح، لكن ثمة قوة أخرى لا تقل أهمية: قوة المجتمع الذي يشعر فيه الإنسان بالإنسان.

فالأوطان لا تبنى بالإسمنت وحده، بل بالقيم أيضا.

والسعودية التي تبني مستقبلها بثقة، تبني في الوقت نفسه إنسانها على المسؤولية والتطوع والتكافل، وهذه معادلة تصنع وطنا قويا في منجزاته وإنسانيا في روحه.

ختام ما أقوله.. تبقى أعظم صور القيادة تلك التي تتحول فيها القيم من كلمات إلى أفعال، ومن دعوات إلى قدوة يراها الناس أمامهم. وما فعله سمو ولي العهد بتقدمه للتبرع بالدم يختصر فلسفة كاملة في المسؤولية الإنسانية: أن تبدأ بنفسك قبل أن تطلب من الآخرين، وأن يكون الإنسان دائما في قلب الاهتمام.

ومن هنا لا تنتهي الحملة بانتهاء أيامها، بل يبدأ أثرها الحقيقي حين يصبح التبرع بالدم ثقافة مستدامة في المجتمع، وعادة في العطاء، ومسؤولية نشترك فيها جميعا.

فالدم الذي يمنحه الإنسان يعوضه الجسد، أما الحياة التي ينقذها فلا تعوض.

وهكذا يصنع القائد القدوة.. يتقدم أولا، فيتبعه وطن في طريق العطاء.