الجميل.. ورد الجميل
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
المقال يرصد موجة التفاعل الشعبي في مصر والإمارات والسودان والأردن وسلطنة عُمان مع السعوديين المتأثرة رحلاتهم، حيث تسابق الآلاف لعرض بيوتهم وخدماتهم، في امتداد لما سجّلته المملكة سابقًا من مواقف إنسانية كاستضافة العالقين من دول الخليج خلال التصعيد الإقليمي. ويربط الكاتب هذه المواقف بمنظومة القيم العر…
لست مستغربًا مما قرأته في تعليقات الأشقاء في مصر والإمارات والسودان والأردن وسلطنة عُمان، ولكني أمتلئ فخرًا.
فما شهدته الأيام الماضية من تسابق الأشقاء لفتح بيوتهم وقلوبهم للسعوديين الذين تأثرت رحلاتهم، ليس حدثًا غريبًا على مجتمعاتنا، ولا سلوكًا جديدًا فرضته الظروف، بل هو أحدث فصول حكاية إسلامية عربية قديمة، تتجدد أحداثها وتتغير وجوهها، وتبقى قيمها كما هي.
فالعرب عرفوا الكرم وإغاثة الملهوف ونصرة المحتاج منذ قرون طويلة، وتناقلوا أخبار الجود والمروءة حتى أصبحت جزءًا من هويتهم وثقافتهم. ثم جاء الإسلام، فأقرّ مكارم الأخلاق، وعزّز قيم الإحسان والتكافل وإكرام الضيف، وجعلها عبادة يُرجى ثوابها، لا مجرد أعراف اجتماعية يُتفاخر بها.
فعن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»
ومنذ ذلك الحين، توارثت الأجيال هذه القيم، فكانت البيوت تُفتح قبل أن تُطلب، والنجدة تُقدم قبل أن يُنادى لها، وظل الجميل يُصنع دون انتظار مقابل، ويُرد دون شعور بدَين.
والمملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز، جعلت إكرام الضيف وإغاثة المحتاج والوقوف مع الأشقاء جزءًا من نهجها وممارساتها، واستمر هذا النهج عبر عهود ملوكها، حتى أصبح حاضرًا في مواقفها الإنسانية ومبادراتها الإغاثية.
ولعل ما شهدناه في بداية التصعيد الإقليمي في فبراير الماضي أحد الشواهد الحديثة على ذلك؛ حين وجّه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بناءً على ما عرضه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، باستضافة جميع العالقين من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي في مطارات المملكة، وتهيئة سبل راحتهم حتى عودتهم سالمين.
وتبعت ذلك إجراءات عملية لتوفير الإقامة والخدمات، وتخصيص الرقم الموحد 992 لمساعدة العالقين أياً كانت جنسياتهم أو خلفياتهم، فيما أُعلن في مكة المكرمة عن تخصيص 2500 غرفة فندقية لاستضافة الأشقاء الخليجيين.
لم يكن ذلك موقفًا طارئًا خارج سياق التاريخ، بل امتدادًا لنهج راسخ، يتجدد مع كل ظرف، ويظهر كلما دعت الحاجة إليه ،وسيتكرر و سيستمر إلى ما شاء الله .
ثم تتغير الأيام، وتأثرت رحلات بعض السعوديين، ونشرت سفارات المملكة تنويهاتها لمساعدة المواطنين، فإذا بالتعليقات تتحول إلى مشهد آخر من مشاهد المروءة العربية.
في مصر مثلاً، تجاوز منشور السفارة أكثر من 20 مليون مشاهدة ونحو 8800 رد أغلبهم يعرض منزله أو خدماته، فقد عرض أحد الأشقاء منزله في المريوطية لاستضافة السعوديين، ليحصد تعليقه نحو 19.5 ألف إعجاب.
وفي الإمارات، سجل المنشور نحو 5.6 ملايين مشاهدة و1350 ردًا، ومن بين التعليقات عبارة تختصر المشهد كله: «ما عندنا لهم سفارة.. هم أهل الدار وبيوتنا بيوتهم».
وفي السودان، سجل المنشور نحو 880 ألف مشاهدة و520 ردًا، وظهرت عبارة تختزل دفء المحبة السودانية: «لو ما شالكم السودان نشيلكم في راسنا».
وفي الأردن، بلغ التفاعل نحو 756 ألف مشاهدة و450 ردًا، مع عروض لاستضافة السعوديين وتقديم المنازل والسيارات والخدمات. وفي سلطنة عُمان، سجل المنشور نحو 233 ألف مشاهدة و240 ردًا، وسط ترحيب يؤكد أن السعوديين بين أهلهم وأحبابهم.
وبحسب أرقام الرصد الأولية، تجاوز مجموع مشاهدات المنشورات الخمسة 27 مليون مشاهدة، وبلغت الردود أكثر من 11 ألف رد.
لكن الأرقام، على أهميتها، لا تروي الحكاية كاملة.
فما الذي يجعل إنسانًا يفتح بيته لشخص لا يعرفه؟ وما الذي يدفع آخر إلى عرض سيارته ووقته وخدماته دون انتظار مقابل؟
إنها تلك القيم التي تربينا عليها، وتناقلتها الأجيال، وعززها الدين، وحفظتها المجتمعات في وجدانها، حتى أصبحت تظهر بعفوية كلما استدعتها المواقف.
وهنا يتجلى معنى الجميل.. ورد الجميل.
ليس بوصفه معاملة بالمثل، أو دينًا يُسدد، وإنما بوصفه تعبيرًا متجددًا عن أصل واحد؛ فالسعودية حين استضافت الأشقاء لم تكن تنتظر منهم مقابلًا، والأشقاء حين عرضوا بيوتهم للسعوديين لم يكونوا يسددون حسابًا.
الكل كان يمارس ما يعرفه من قيم، وما ورثه من أخلاق، وما يؤمن به من معاني الأخوة والمروءة.
ولعل هذا أحد أجمل أوجه القوة الناعمة؛ تلك التي لا تصنعها الحملات الإعلامية وحدها، ولا تقاس فقط بحجم الإنجازات، بل تتشكل عبر تاريخ طويل من المواقف، حتى تصبح للدولة مكانة في وجدان الشعوب، ولأبنائها محبة تسبق وصولهم.
وحين يقول أحد الأشقاء للسعودي: «أنت صاحب الدار»، فهو لا يقدم عرضًا للاستضافة فحسب، بل يعبر عن شعور بالانتماء و الإخاء تتجاوز حدود المكان والزمان.
إنني حين أقرأ هذه الردود لا أشعر بالدهشة، فقد قرأت عن كرم العرب في تاريخهم، وتعلمت ما عززه الإسلام من مكارم الأخلاق، وعشت وشاهدت في وطن هذه القيم حاضرة في مواقفه.
لكنني أشعر بالفخر...
فخر بوطن يواصل نهجًا أصيلًا، وفخر بأشقاء يحفظون القيم نفسها، وفخر بأن ما نقرأه في كتب التاريخ لا يزال حاضرًا في حياة الناس، وإن اختلف الزمان وتغيرت الوسائل.
أني سعودي.. لست مستغربًا، ولكني أمتلئ فخرًا.
فما حدث ليس بداية الحكاية، ولن يكون نهايتها؛ إنها حكاية بدأت قبل مئات السنين، وتعززت بقيم الإسلام، وتوارثتها الأجيال، وما نشهده اليوم ليس إلا أحدث فصولها.
فالجميل في ثقافتنا ليس حدثًا عابرًا، ورد الجميل ليس واجبًا ينتظر موعده؛ كلاهما خُلُق أصيل، تتغير معه الظروف، ولا تتغير به النفوس.