دراسة تفسر سر استمرار الرغبة في الأكل بعد الشبع رغم امتلاء المعدة

صحيفة سبق

2026-03-23T22:39:35.517Z

كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية Apetite أن الدماغ يواصل التعامل مع محفزات الطعام كمكافأة حتى بعد الوصول إلى الشبع؛ إذ تظل استجابة «إيجابية المكافأة» العصبية نشطة عند رؤية صور الأطعمة، رغم إدراك الشخص لانخفاض جاذبيتها، ما يفسر الإفراط في الأكل في بيئات مليئة بإشارات الطعام.

ينهي كثيرون وجبتهم وهم يشعرون بالشبع التام، ثم يجدون أنفسهم مستعدين لتناول وجبة خفيفة مثل المعجنات أو الحلوى، وهي ظاهرة حاولت دراسة حديثة تفسيرها علمياً، كما نقل موقع "Psychology Today".

يُعتقد عادة أن الجوع هو الدافع الرئيسي وراء تناول الطعام، وهو ما تدعمه حقيقة امتلاك الجسم نظاماً دقيقاً لتنظيم توازن الطاقة؛ إذ ترتفع إشارات الجوع عند الحاجة للطعام، ثم يفترض أن تهدأ الرغبة في الأكل عند الشعور بالشبع.

لكن الحياة العصرية تحيط الإنسان بسيل متواصل من محفزات الطعام، مثل الإعلانات، وتغليف المنتجات، وواجهات المخابز، وصور التوصيل، وحتى ضوء الثلاجة في منتصف الليل، وهي عوامل لا يتعامل معها الجسد البشري بسهولة من منظور بيولوجي.

دراسة حديثة نُشرت في دورية "Apetite" تناولت سبب عدم قدرة كثيرين على تجنب الإفراط في الأكل عند مواجهة هذه المحفزات، حتى بعد وصولهم فعلياً إلى حالة الشبع.

الدماغ يستمر في طلب «المزيد»

أظهرت نتائج الدراسة أنه عندما يشعر الجسم بالشبع، لا يتوقف الدماغ عن التعامل مع محفزات الطعام على أنها مجزية. فحتى بعد تناول كمية كافية من نوع معين من الطعام لتقليل جاذبيته، ظلت استجابات الدماغ الأولية لصور ذلك الطعام شبه ثابتة.

هذا يعني أن جزءاً من الدماغ يمكن أن يواصل إرسال إشارة «المزيد» رغم أن إشارات الجسد تشير إلى «الاكتفاء».

تفاصيل التجربة

شارك في الدراسة 90 طالباً جامعياً قيّموا مجموعة من الأطعمة وهم في حالة جوع، ثم جرى اختيار نوعين متشابهين من الطعام لكل مشارك.

في منتصف التجربة، تم إطعام كل مشارك واحداً من هذين النوعين حتى لم يعد يرغب في المزيد منه، فأصبح هذا النوع أقل قيمة من حيث الجاذبية.

أكد المشاركون هذا التغيّر بأنفسهم؛ إذ قيّموا الطعام الذي شبعوا منه على أنه أقل إغراء، كما تغيّر سلوكهم في المهمة التجريبية بما يعكس إدراكهم لانخفاض قيمة هذا الطعام.

ما يحدث داخل الدماغ

أثناء قيام الطلاب بمهمة "التعلم المعزز"، سجّل الباحثون النشاط الكهربائي السريع من فروة الرأس، وركزوا على إشارة دماغية تُسمى "إيجابية المكافأة"، وهي جهد مرتبط بالحدث يُعتقد أنه يعكس التقييم المبكر للنتائج الأفضل مقارنة بالأسوأ.

كان السؤال: هل ستتراجع هذه الإشارة عند رؤية صور الطعام الذي تناوله المشاركون حتى الشبع؟ النتائج أوضحت أن ذلك لم يحدث؛ فقد استمر الدماغ في إرسال استجابة مرتبطة بالمكافأة عند رؤية صور هذا الطعام، رغم أن المشاركين أدركوا شعور الشبع.

قبل الأكل، أثارت صور الطعام استجابة دماغية واضحة مرتبطة بالتوقع بالمكافأة. وبعد الأكل، استمرت هذه الاستجابة العصبية المبكرة حتى تجاه الطعام الذي تم تناوله بكثرة.

أي إن اختيارات المشاركين وتقييماتهم السلوكية أظهرت انخفاضاً في قيمة الطعام، لكن الإشارة الدماغية المبكرة لم تعكس هذا التغير.

وبذلك يمكن للعقل الواعي أن يدرك أن الطعام لم يعد يستحق السعي إليه، بينما يظل جزء سريع وتلقائي من الدماغ يتفاعل مع الإشارات كما لو كانت لا تزال تحمل مكافأة عالية.

ما وراء الإفراط في الأكل

تساعد هذه النتائج في تفسير أحد أكثر جوانب الأكل إحباطاً؛ فالإفراط في تناول الطعام لا يبدو دائماً مجرد ضعف في قوة الإرادة، بل يمكن أن يبدأ في لحظة خاطفة تستحوذ فيها إشارة بصرية أو سمعية أو شمية متعلقة بالطعام على الدماغ، قبل أن يتاح للتحكم الواعي الوقت الكافي للتدخل.

الإشارة نفسها ليست الطعام، بل قد تكون صورة، أو رائحة، أو صوت غلاف يُفتح، أو شعاراً إعلانياً، أو علبة مألوفة على طاولة. ومع التكرار، تكتسب هذه الإشارات قوة خاصة وتصبح بمثابة بديل عن المكافأة المتوقعة، فيما يُعرف في علم النفس بـ"الإشارات المكتسبة".

في الحياة اليومية، تتحول هذه الإشارات إلى إغراءات تبدو وكأنها تتغلب على حكم العقل، خاصة عندما تتكرر في محيط بصري وسمعي مشبع بالمنتجات الغذائية.

بيئة غذائية مشبعة بالمحفزات

لم يكن أسلاف البشر محاطين بتطبيقات توصيل الطعام، ولا بممرات المتاجر المزدحمة، ولا بصور الطعام عالية الدقة المصممة لجذب الانتباه. أما اليوم، فيعيش كثيرون في بيئات مشبعة بإشارات مصممة ليتم ملاحظتها وتذكرها.

تشير الدراسة إلى أن هذه الإشارات ربما تحتفظ بجزء من تأثيرها حتى بعد تلبية الحاجة البيولوجية للشبع؛ فصورة الطعام يمكن أن تحمل آثار مكافآت سابقة، وتوقظ ارتباطات قديمة حتى عندما تكون المعدة ممتلئة.

وإذا صح ذلك، فإن الإفراط في تناول الطعام لا يقتصر على تغلب الجوع على العقل؛ بل يمكن أن يحدث العكس، إذ يدرك العقل الواعي انخفاض قيمة الطعام، بينما يستمر نظام دماغي أقدم وأسرع في العمل وفق برمجته السابقة.

وتختتم النتائج بالتأكيد على أن التحدي لا يقتصر على تعلّم متى يأكل الإنسان، بل يشمل أيضاً كيفية العيش في بيئة ممتلئة بالإشارات التي لا تتوقف عن الإيحاء بوجود مكافأة، حتى عندما لا يعود الجسم بحاجة فعلية إلى المزيد من الطعام.