48 مقاتلة «إف-35» بـ24.3 مليار دولار.. ما الذي أقرّته واشنطن للسعودية بالضبط، وما الذي بقي في الطريق؟
وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة لبيع المملكة العربية السعودية ٤٨ مقاتلة شبح من طراز «إف-٣٥» بقيمة ٢٤,٣ مليار دولار، لتصبح السعودية أول دولة عربية وثاني دولة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل تُجاز لها هذه الطائرة، مع دخول الصفقة مرحلة مراجعة مدتها ٣٠ يومًا في الكونغرس. القرار يكسر سياسة أ…
بعد عشرة أشهر من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض أنه سيبيع المملكة مقاتلات «إف-35»، تحوّل الوعد السياسي إلى إخطار رسمي: وافقت وزارة الخارجية الأمريكية، الخميس، على صفقة محتملة بقيمة 24.3 مليار دولار تشمل 48 مقاتلة شبح من الجيل الخامس، وأخطرت الكونغرس بها، لتصبح السعودية أول دولة عربية تُجاز لها هذه الطائرة، وثاني دولة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل.
الرقم كبير، لكن ما وراءه أهم: القرار يكسر قاعدة أمريكية عمرها عقد كامل، ويأتي في لحظة إقليمية مشتعلة، ويدخل الآن نافذة 30 يومًا في الكونغرس تُختبر فيها معارضة تتكئ على ملفين: التفوق النوعي الإسرائيلي، والقلق من الصين.
ماذا أقرّت الخارجية الأمريكية بالضبط؟
بحسب الإخطار المنشور على موقع الخارجية، طلبت المملكة شراء 48 مقاتلة «إف-35 لايتنينغ 2» من طراز الإقلاع والهبوط التقليدي (F-35A)، و49 محركًا من طراز «برات آند ويتني F135» (48 مركّبة وواحد احتياطي)، إلى جانب حزمة داعمة تشمل أجهزة تشفير واتصالات مؤمّنة وملاحة دقيقة، ودعمًا لقواعد بيانات الحرب الإلكترونية، وقطع غيار وتدريبًا وبرمجيات مصنّفة وغير مصنّفة، ووثائق فنية ودعمًا لوجستيًا. ولا يتضمن الإخطار المعلن أي ذخائر أو صواريخ؛ فتلك تُشترى عادة في إخطارات منفصلة.
وبرّرت الوزارة الصفقة بأنها «ستدعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تحسين أمن حليف رئيسي من خارج الناتو يُعد قوة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في منطقة الخليج»، وأنها «ستحسّن قدرة السعودية على ردع التهديدات الحالية والمستقبلية عبر تعزيز دفاعها عن أراضيها، وتحسين التشغيل البيني مع القوات الأمريكية وقوات إقليمية وقوات الناتو»، وستعزز «قدراتها الدفاعية الذاتية جو–جو وجو–أرض».
وأضافت الجملة التي ينتظرها كل من يتابع هذا الملف: «لن يغيّر البيع المقترح التوازن العسكري في المنطقة». والمتعاقدان الرئيسان هما «لوكهيد مارتن» في فورت وورث بتكساس و«برات آند ويتني» في إيست هارتفورد بكونيتيكت، ولا يتطلب التنفيذ إيفاد ممثلين حكوميين أو متعاقدين أمريكيين إضافيين إلى المملكة.
الطريق إلى القرار: عقد من «لا» ثم عام من «نعم»
الاهتمام السعودي بمقاتلة الجيل الخامس يعود إلى منتصف العقد الماضي على الأقل، لكن إدارة أوباما أعلنت صراحة أواخر 2015 أن إسرائيل ستبقى المتلقي الوحيد للطائرة في المنطقة. ثم فتحت اتفاقات أبراهام عام 2020 الباب أمام الإمارات لصفقة 50 مقاتلة أُجيزت في الساعات الأخيرة من ولاية ترامب الأولى، قبل أن تعلّق أبوظبي المفاوضات في ديسمبر 2021 بعدما اشترطت إدارة بايدن التخلي عن شبكات «هواوي» للجيل الخامس، فاتجهت الإمارات إلى 80 مقاتلة «رافال» فرنسية. وبحثت إدارة بايدن لاحقًا منح السعودية الطائرة ضمن صفقة تطبيع مع إسرائيل لم تكتمل.
المسار الحالي بدأ مع عودة ترامب: في أبريل 2025 كشفت «رويترز» أن الطلب السعودي اجتاز مراجعة السياسات في البنتاغون، وفي مايو أعلن البيت الأبيض خلال زيارة ترامب للرياض حزمة دفاعية بنحو 142 مليار دولار وصفها بـ«أكبر اتفاقية تعاون دفاعي في التاريخ». وفي 18 نوفمبر 2025 وقّع ترامب وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي» في البيت الأبيض، وصنّفت واشنطن المملكة «حليفًا رئيسيًا من خارج الناتو»، وأعلن ترامب موافقته على بيع «إف-35». ثم جاء إخطار الخميس ليكمل الخطوة الإدارية الرسمية.
ماذا تعني 48 مقاتلة لسلاح الجو السعودي؟
القوات الجوية الملكية السعودية تشغّل اليوم أسطولًا من الجيل الرابع يقوم على 84 مقاتلة «إف-15 إس إيه» من صفقة 2010 البالغة 29.4 مليار دولار، و72 مقاتلة «يوروفايتر تايفون»، إلى جانب «تورنيدو» و«إف-15 سي/دي». والـ48 مقاتلة تعادل سربين، وستكون أول منصة شبحية بقدرات دمج المستشعرات والحرب الإلكترونية في الأسطول، وتضع المملكة ضمن نحو 20 دولة تشغّل الطائرة حول العالم.
والقيمة المعلنة، 24.3 مليار دولار، تعني نحو 506 ملايين دولار لكل مقاتلة إذا قُسمت حسابيًا، لكن هذا الرقم يشمل المحركات والتدريب والدعم والبرمجيات والصيانة على سنوات، لا سعر الطائرة وحدها. ولم يحدد الإخطار موعد بدء التسليم ولا مكان الإنتاج (فورت وورث أو خط «كاميري» الإيطالي)، والتقديرات المتداولة في الصحافة الدفاعية تشير إلى مطلع العقد المقبل.
ما الذي بقي في الطريق؟
ثلاث عقبات، بعضها إجرائي وبعضها سياسي:
الأولى، الكونغرس: يملك 30 يومًا من الإخطار الرسمي لتمرير قرار مشترك برفض الصفقة، وهو ما جُرّب مع صفقات سعودية سابقة ولم ينجح، لأن الرئيس يستطيع نقضه ويلزم لتجاوز النقض ثلثا المجلسين. ولا يعني الإخطار توقيع عقد أو انتهاء المفاوضات؛ فهذه مرحلة لاحقة.
الثانية، ملف الصين: قبل يوم واحد من الموافقة، نقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤولين استخباراتيين تحذيرًا من أن الصفقة قد تتيح للصين الوصول إلى تقنيات حساسة، مشيرة إلى تقرير لوكالة استخبارات الدفاع أوصى بضمانات منها قصر الوصول إلى مواقع الطائرة على أفراد سعوديين وأمريكيين، وإزالة معدات الاتصالات الصينية من الشبكات الدفاعية. وعلى هذا الأساس أعلن النائب الديمقراطي راجا كريشنامورثي، عضو لجنة الاستخبارات، معارضته. وهذا الملف تحديدًا هو الذي عطّل الصفقة الإماراتية في 2021.
الثالثة، التفوق النوعي الإسرائيلي: قانون أمريكي صادر عام 2008 يلزم الإدارة بضمان تفوق إسرائيل النوعي في أي بيع للمنطقة. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إن واشنطن لم تستشر إسرائيل قبل الإعلان، لكنه تلقى تأكيدات من وزير الخارجية ماركو روبيو بأن نسخة السعودية ستفتقر إلى قدرات معينة، فيما قدّم سلاح الجو الإسرائيلي ورقة موقف تحذر من تآكل تفوقه الجوي. وتشغّل إسرائيل 42 مقاتلة من نسختها المعدّلة «أدير» بأنظمة حرب إلكترونية وتسليح محلية.
الإخطار لا يعني أن الطائرات في طريقها إلى المملكة، لكنه يعني أن العقبة الإدارية الأثقل قد اجتيزت، وأن الإدارة الأمريكية قررت تحمّل كلفة سياسية داخلية وإسرائيلية لتمرير ما كان ممنوعًا عقدًا كاملًا. الشهر المقبل في الكونغرس سيحدد ما إذا كانت الصفقة ستمضي بصيغتها، أو بشروط إضافية تتعلق بالحماية التقنية، أو تتعثر كما تعثرت نظيرتها الإماراتية.