غزة تشيّع رفات 112 شهيداً من الحساينة وأبو شريعة في أكبر جنازة جماعية

صحيفة سبق

2026-08-04T20:17:07.350Z

شيّع سكان غزة رفات 112 من أفراد عشيرتَي الحساينة وأبو شريعة، بعد انتشالهم من تحت أنقاض مبانٍ دمرتها غارات إسرائيلية في حي الصبرة عام 2023، في ما وصفته السلطات الفلسطينية بأنه أكبر جنازة جماعية في حرب غزة، بينما ما زالت آلاف الجثامين مدفونة تحت الركام.

شيّع سكان غزة اليوم الثلاثاء رفات 112 شهيداً من عشيرة الحساينة وأبو شريعة، وهي عشيرة فلسطينية ذات أصول بدوية عريقة، في مشهد مؤلم وصفته السلطات الفلسطينية بأنه أكبر جنازة جماعية في تاريخ الحرب على غزة.

استقر رفات الجثث المتحللة على المحفات الملفوفة بالأعلام تحت حرارة الشمس الحارقة، وهي كل ما تبقى من أبناء العشيرة الذين كادت إسرائيل أن تبيدهم بالكامل قبل نحو ثلاث سنوات.

مجزرة حي الصبرة

تقول السلطات الفلسطينية إن 308 أفراد من العشيرة لاقوا حتفهم في 22 نوفمبر 2023، حين هدمت غارات جوية إسرائيلية مجموعة من المباني في حي الصبرة بمدينة غزة بينما كان سكانها نياماً. وتسنّى انتشال ودفن نحو نصف القتلى في وقت سابق، غير أن 153 جثة ظلت تحت الأنقاض.

وبعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات، أمضى فريق مؤلف من 40 عاملاً 17 يوماً في البحث وسط الأنقاض بدقة متناهية، واستخرجوا رفاتاً جرى تحديد هوية أصحابه على أنهم 112 من المفقودين.

تجمّع عدد من الجيران وأفراد ناجون من العشيرة في قطعة أرض سُوِّيت بالأنقاض بعد تدميرها، حيث عُرض الرفات استعداداً للجنازة الجماعية. وحمل الرجال المحفات وساروا بها عبر الشوارع، فيما تزيّنت لافتة بصور الموتى رجالاً ونساءً وأطفالاً.

وقال تيسير الحساينة، أحد أفراد العشيرة الناجين: «هذا يوم اختلط به الحزن والجراح من جديد بعد ثلاث سنوات من هذه المجزرة»، مضيفاً: «أعاد الحزن إلى أطفالنا ونسائنا، ولكن عزاؤنا أننا نقول إنهم شهداء عند الله».

حزن الناجين من المنفى

بكى عمر الحساينة (65 عاماً)، وهو أحد الناجين الذي غادر غزة إلى مصر بعد أيام من الهجوم، وهو يتابع لقطات الجنازة عبر قناة فضائية في القاهرة. فقد عمر زوجته وأربعة من أبنائه البالغين هم عبد الله وعبد الرحمن وأحمد وأسامة، فضلاً عن أربعة أحفاد أكبرهم في الرابعة من عمره وأصغرهم لم يتجاوز بضعة أشهر.

وقال عمر: «هؤلاء قطعة مني. ما مرّ يوم إلا وأنا أفكر فيهم، أراهم في كل لحظة وفي أحلامي أيضاً»، مضيفاً: «الجنازة اليوم أقل شيء يمكن أن يُفعل لهؤلاء الشهداء. آن الأوان لهذه الجثامين، وخصوصاً أجساد الأطفال الصغار، أن ترتاح بسلام».

وكانت الغارات الإسرائيلية قد أصابت ثلاثة مبانٍ سكنية كان أفراد العائلة الممتدة تجمّعوا فيها بحثاً عن الأمان مع اندلاع الحرب. ودُمّر مبنيان بالكامل مما أدى إلى مقتل جميع من كانوا بداخلهما تقريباً، فيما نجا عمر من المبنى الثالث الذي تضرر جزئياً بإصابات طفيفة، إلى جانب ابنتين وابن له.

عمليات الانتشال في ظل القيود

لا يمكن انتشال الجثث إلا في الثلث المتبقي من أراضي غزة خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية، حيث يعيش أكثر من مليوني نسمة معظمهم نازحون في خيام مؤقتة أو ملاجئ داخل المباني المتضررة. وتسيطر القوات الإسرائيلية على نحو ثلثي القطاع منذ وقف إطلاق النار، وقامت بهدم المباني المتبقية بالجرافات وأمرت السكان بالخروج.

وقال محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، إن التعرف على رفات عائلة الحساينة تطلّب مزيجاً من أدلة الطب الشرعي ومعلومات مستمدة من ذكريات الناجين، موضحاً: «الجثامين كانت متحللة. تعرّف الأهالي على بعضهم من خلال الملابس، أو الإصابات والعلامات المميزة في أجسادهم. بعض الضحايا كان لديهم قطع بلاتين أو مثبتات طبية نتيجة كسور، وبعض النساء جرى التعرف عليهن من خلال الحلي أو السلاسل المكتوب عليها أسماؤهن».

وأكد بصل أن الفريق سيتوجه بعد انتهاء عملية الانتشال الحالية إلى مناطق أخرى يمكن الوصول إليها، مشيراً إلى أن توفر 10 حفارات وجرافات ورافعات كافٍ لإنجاز المهمة كاملة خلال ثلاثة أشهر.

وتشير السلطات الصحية الفلسطينية إلى أن أكثر من 73 ألف فلسطيني قتلوا في الحرب الإسرائيلية على غزة، فيما يُعتقد أن نحو 8 آلاف آخرين لا يزالون مدفونين تحت الأنقاض.

وعند وصول الجنازة إلى مقبرة شاسعة وسط أنقاض غزة، حمل الرجال الجثث الصغيرة المغطاة بالأكفان على أكتافهم، ووارى أفراد عشيرة الحساينة الثرى في قبور جديدة.