بين مقاعد الجامعة ومكاتب العمل.. من يردم الفجوة؟
مقال رأي
يؤكّد المقال استمرار الفجوة بين مخرجات الجامعات واحتياجات سوق العمل، مبينًا أن التحدي لم يعد في الشهادة بل في القدرة الفعلية على التطبيق واكتساب الخبرة قبل التخرج. ويستعرض دور المبادرات الوطنية، مثل برامج «هدف» و«تمهير» و«أكاديمية واس للتدريب الإخباري»، في نقل الطلاب من المعرفة النظرية إلى الممارسة…
لسنوات، ظل الحديث عن الفجوة بين مخرجات الجامعات واحتياجات سوق العمل حاضرًا كلما دار النقاش حول التوظيف؛ يتخرج الطالب حاملًا شهادته، ثم يكتشف في أولى خطواته المهنية أن السؤال لم يعد: ماذا درست؟ بل: ماذا تستطيع أن تفعل؟
وهنا تبدأ الفجوة.
فالجامعة تمنح المعرفة والمنهج والأدوات، لكنها لا تستطيع وحدها محاكاة تفاصيل سوق سريع التغير، كما أن سوق العمل لا يستطيع انتظار الخريج سنوات حتى يكتسب الخبرة، وبين الطرفين تأتي أهمية المبادرات التي تنقل الطالب من المعرفة إلى الممارسة قبل دخوله سوق العمل.
في المملكة، لم تعد معالجة هذه الفجوة مجرد نقاش نظري، بل تحولت إلى برامج ومبادرات تقودها جهات حكومية وجامعات ومؤسسات وطنية، نرى ذلك في برامج التدريب التعاوني التي تتيح للطلاب الاحتكاك المباشر ببيئات العمل، وفي برامج صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف»، ومنها برنامج تطوير الخريجين «تمهير»، الذي يمنح الخريجين فرصة لاكتساب الخبرة العملية والتأهيل وفق احتياجات السوق.
لكن التجربة الأقرب إليّ، والتي دفعتني لكتابة هذا المقال، كانت مع «أكاديمية واس للتدريب الإخباري».
خلال تجربتي مع مجموعة من طلاب وطالبات الأكاديمية، وجدت أمامي شبابًا وشابات يحملون قدرًا لافتًا من الحماس والرغبة في التعلم، والأهم: قابلية كبيرة للتطور متى ما وجدوا البيئة التي تمنحهم المعرفة والتطبيق والثقة.
وخلال التدريب في مجال الرصد والتحليل وإعداد التقارير، لم يكن أكثر ما لفت انتباهي قدرتهم على إعداد تقرير أو قراءة رقم، بل إدراكهم التدريجي أن التحليل يبدأ بعد انتهاء الرصد، وأن قيمة الرقم ليست فيه، بل في القدرة على تفسير ما يقوله.
وهذا تحديدًا أحد التخصصات التي أرى أن سوق الاتصال في المملكة بحاجة متزايدة إلى كوادر نوعية فيها.
فالرصد الإعلامي اليوم لم يعد جمع روابط وأخبار، والتحليل لم يعد أرقامًا ونسبًا ورسومًا بيانية، الجهات الحكومية والشركات والمؤسسات الكبرى تواجه يوميًا تدفقات هائلة من البيانات والمحتوى والتغطيات والآراء، ولم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة، بل في فهمها: ماذا تعني؟ لماذا حدثت؟ كيف استجاب الجمهور؟ وما القرار الاتصالي الذي يمكن أن يُبنى عليها؟
هنا يتحول الرصد والتحليل من مهمة تنفيذية إلى وظيفة معرفية داخل منظومة الاتصال، ومن واقع عملي في هذا المجال، أرى أن السوق لا يحتاج إلى مزيد من التقارير بقدر حاجته إلى من يستطيع تحويل التقرير إلى معرفة، والرقم إلى دلالة، والدلالة إلى قرار.
وهنا تكمن أهمية نموذج «أكاديمية واس» وغيرها من المبادرات الوطنية التي تحاول تقريب المسافة بين التعليم والممارسة، فالأكاديمية تبني شراكات مع الجامعات، وتقدم مسارات تخصصية مرتبطة بالصناعة الإعلامية، من بينها التحليل والرصد الإعلامي، بما يمنح الطلاب مساحة للاحتكاك بالممارسة المهنية قبل دخولهم الفعلي إلى السوق.
لسنا بحاجة إلى أن تتحول الجامعات إلى شركات، ولا الجهات الحكومية إلى جامعات؛ ما نحتاجه ببساطة هو أن تصبح المسافة بينهما أقصر، أن يعرف الطالب سوقه قبل أن يتخرج، وأن تصل احتياجات السوق إلى قاعة الدراسة، وأن يجد الشاب والشابة فرصة حقيقية للتجربة والتعلم قبل أن يُطلب منهما امتلاك سنوات من الخبرة.
وما شاهدته في «أكاديمية واس» يجعلني متفائلًا؛ لأنني رأيت جيلًا يملك الحماس والقدرة، ويحتاج فقط إلى أن نستثمر فيه جيدًا، وربما بعد سنوات، سنقرأ تقارير أعدّها بعض هؤلاء الطلاب والطالبات، وتُبنى على تحليلاتهم قرارات اتصالية مهمة.
فالفجوة بين الجامعة وسوق العمل لا تُردم عند التخرج، بل قبل ذلك بسنوات.